المستقلة/- تثير حملة مكافحة الفساد التي بدأت حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي تحريكها داخل مؤسسات الدولة تساؤلات متزايدة بشأن طبيعتها وأهدافها، وسط ترحيب بمراجعة ملفات الهدر والمال العام، ومخاوف من أن تتحول الإجراءات إلى وسيلة لتصفية الحسابات وإعادة رسم موازين النفوذ بين القوى السياسية.
وتحدثت ثلاثة مصادر سياسية رفيعة المستوى لـ**«المستقلة»**، مشترطة عدم الكشف عن أسمائها أو مواقعها، عن وجود أبعاد سياسية تقف خلف جانب من الحملة، مؤكدة أن طبيعة الملفات المختارة والأطراف المستهدفة تثير شكوكًا بشأن حياد الإجراءات وشمولها.
وقال أحد المصادر إن ما تقوم به الحكومة «لا يعدو أن يكون تصفية حسابات بين أحد أقطاب العملية السياسية وأحد المتحكمين في المشهد السياسي»، معتبرًا أن مكافحة الفساد أصبحت غطاءً لتحجيم نفوذ خصوم داخل منظومة الحكم، أكثر من كونها مشروعًا مؤسسيًا شاملًا للمحاسبة.
وشدد مصدر ثانٍ على أن طريقة فتح الملفات وتوقيتها لا توحيان بوجود استراتيجية وطنية متكاملة، مشيرًا إلى أن غياب المعايير المعلنة يترك الباب مفتوحًا أمام استخدام أجهزة الدولة والملفات الرقابية في الصراع بين القوى النافذة.
وتطابقت آراء المصادر الثلاثة في أن العملية تبدو موجهة نحو «تقطيع أذرع» بعض رؤساء الكتل السياسية، من خلال ملاحقة شخصيات ومسؤولين مرتبطين بشبكات نفوذهم داخل المؤسسات الحكومية والاقتصادية.
ورأت المصادر أن ما يعزز هذه الفرضية هو الانتقائية والمناطقية الظاهرة في اختيار بعض ملفات الفساد، مقابل عدم الاقتراب من ملفات أخرى لا تقل عنها خطورة، ترتبط بقوى وشخصيات تتمتع بنفوذ أو بغطاء سياسي داخل الحكومة.
وجاءت الحملة متزامنة مع توجيه الزيدي بتشكيل «المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام» برئاسة رئيس الوزراء وعضوية مسؤولين في هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية، لمتابعة الوزارات والمحافظات والملفات ذات الأثر المالي الكبير، وإحالة النتائج إلى القضاء.
وتقول الحكومة إن الهدف من الإجراءات هو توحيد الجهود الرقابية، ومراجعة العقود الحكومية، ومنع هدر الأموال واستعادة أصول الدولة.
وبدأت خلال الفترة الأخيرة مراجعات وتحقيقات في ملفات مرتبطة بمسؤولين ومؤسسات حكومية، فيما تحدثت وسائل إعلام ومنصات سياسية عن قوائم تضم أسماء مسؤولين حاليين وسابقين.
لكن سرعة تداول الأسماء والاتهامات أثارت شكوكًا بشأن احتمال توظيف الحملة في الصراع السياسي، خصوصًا مع غياب إعلان حكومي واضح يحدد معايير اختيار الملفات وتسلسل الأولويات والجهة التي تقرر القضايا التي يجري فتحها.
ولا تتوافر حتى الآن أدلة قضائية تسمح بالجزم بأن الحملة تمثل تصفية حسابات منظمة.
كما أن فتح ملفات مسؤولين أو إصدار أوامر قضائية بحقهم لا يثبت وحده وجود دوافع سياسية، ما لم تظهر معايير مزدوجة تستهدف الخصوم وتتجاهل ملفات الجهات القريبة من الحكومة.
غير أن التجارب السابقة تدفع إلى الحذر.
فقد شكلت الحكومات العراقية المتعاقبة مجالس ولجانًا عليا لمكافحة الفساد، لكنها لم تنجح في تفكيك منظومة المحاصصة التي وفرت الحماية السياسية لكثير من المتهمين، وانتهى عدد منها بعد ضجة إعلامية من دون نتائج تتناسب مع حجم الأموال المهدرة.
ويزيد تشكيل المجلس الجديد من حساسية المشهد، بعد اعتراض قانونيين على وضع هيئات رقابية مستقلة ضمن إطار يرأسه رئيس السلطة التنفيذية، وتحذيرهم من خلط الأدوار بين الحكومة والجهات المكلفة أصلًا بمراقبتها.
كما أن تسريب الأسماء والأرقام قبل اكتمال التحقيقات قد يحول الإجراءات القضائية إلى محاكمات إعلامية، ويتيح للقوى السياسية تصوير أي ملاحقة باعتبارها استهدافًا لحزب أو مكون، بدل التعامل معها بوصفها قضية قانونية تستند إلى أدلة.
وسيُقاس صدق الحملة بقدرتها على الوصول إلى جميع شبكات الفساد من دون تمييز، بما في ذلك القوى القريبة من الحكومة، وبمدى تحول التحقيقات إلى أحكام قضائية نهائية واسترداد فعلي للأموال، لا إلى توقيفات مؤقتة واتهامات معلنة.
فالفرق بين الإصلاح وتصفية الحسابات سيظهر عندما يُطبق معيار واحد على الحلفاء والخصوم.
أما إذا اقتصرت الإجراءات على أطراف فقدت غطاءها السياسي، وتوقفت عند حدود القوى الأكثر نفوذًا، فستبدو الحملة أقرب إلى إعادة توزيع السلطة وتصفية مراكز القوة منها إلى تفكيك منظومة الفساد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك