دخل العراق مرحلة جديدة من التدقيق المالي الدولي بعد إعلان مجموعة العمل المالي الدولية (فاتف) FATF إدراجه ضمن" القائمة الرمادية" للدول الخاضعة للمتابعة المعززة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، في خطوة أعادت إلى الواجهة تساؤلات بشأن قدرة النظام المالي العراقي على استكمال الإصلاحات المطلوبة، والحفاظ على علاقاته المصرفية الدولية، وتجنب السيناريو الأكثر خطورة المتمثل بالانتقال إلى القائمة السوداء"، وعلى رغم أن السلطات العراقية أكدت أن القرار ترافق مع اعتماد خطة عمل مشتركة مع مجموعة العمل المالي، وأن بغداد تمكنت من تجنب الإدراج في القائمة السوداء، إلا أن خبراء اقتصاديين ومختصين بالشأن المالي اعتبروا أن العودة إلى القائمة الرمادية بعد ثماني سنوات من الخروج منها تمثل مؤشراً إلى وجود اختلالات هيكلية لا تزال تعيق استكمال معايير الامتثال الدولية.
قرار دولي يضع العراق تحت المراقبة المعززةوأعلنت رئيسة مجموعة العمل المالي الدولية إليسا دي أندا مادرازو إدراج العراق على القائمة الرمادية، مشيرة إلى أن البلاد لا تزال بحاجة إلى اتخاذ إجراءات إضافية لمعالجة الأخطار المرتبطة بالتعاملات النقدية، وزيادة التحقيقات الخاصة بجرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتعزيز الاستفادة من المعلومات المالية في ملاحقة الأنشطة المشبوهة.
ويعني هذا القرار أن العراق أصبح خاضعاً لآلية متابعة معززة، تفرض عليه تنفيذ خطة إصلاح محددة زمنياً، مع تقديم تقارير دورية بشأن مدى التقدم المحرز في معالجة أوجه القصور التي رصدتها المجموعة الدولية.
ويختلف الإدراج على القائمة الرمادية عن القائمة السوداء، إذ لا يترتب عليه فرض عقوبات مباشرة، لكنه يؤدي إلى زيادة الرقابة على المعاملات المالية والتحويلات المصرفية، ورفع مستوى التدقيق الذي تمارسه المؤسسات المالية العالمية على التعاملات المرتبطة بالعراق.
البنك المركزي.
تقدم متحقق وخطة عمل مشتركةفي المقابل، أكد البنك المركزي العراقي أن مجموعة العمل المالي الدولية اعتمدت خطة عمل مشتركة مع العراق لتطوير منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح، مشيراً إلى أن السلطات العراقية حققت تقدماً ملموساً منذ اعتماد تقرير التقييم المتبادل عام 2024.
وأوضح البنك أن العراق قدم التزاماً سياسياً رفيع المستوى للعمل مع مجموعة العمل المالي الدولية ومجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا MENAFATF، وأنه نجح في تنفيذ عدد من الإجراءات المهمة، من بينها فرض ضوابط تمنع المجرمين والإرهابيين من الوصول إلى القطاعات الحيوية، وتعزيز الرقابة على قطاع العقارات، وتوسيع الإرشادات الخاصة بالمؤسسات المالية والمهن غير المالية.
وأشار البيان الرسمي إلى أن العراق سيواصل تنفيذ تسع أولويات رئيسة، تشمل تعزيز فهم أخطار غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإنشاء إطار قانوني للأصول الافتراضية، ورفع عدد التحقيقات والقضايا المتعلقة بجرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتطوير إجراءات المستفيد الحقيقي، وتعزيز الرقابة على المنظمات غير الحكومية، إضافة إلى مكافحة التهرب من العقوبات المتعلقة بانتشار التسلح.
وأكد البنك المركزي أن هذه الخطة تمثل قاعدة أساسية لترصين النظام المالي العراقي وتسريع الخروج من قائمة المتابعة المعززة، لافتاً إلى أن عدداً كبيراً من دول المنطقة والعالم مرّ بمراحل مشابهة خلال جولات التقييم السابقة.
لماذا عاد العراق إلى القائمة الرمادية؟يعود إدراج العراق على القائمة الرمادية إلى نتائج المراجعات التي أجرتها مجموعة العمل المالي الدولية بعد تقرير التقييم المتبادل الذي أعدته مجموعة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عام 2024، حيث جرت إعادة تقييم بعض المؤشرات المرتبطة بتحقيقات تمويل الإرهاب وفهم الأخطار المرتبطة بالإرهاب والفساد.
ويرى مراقبون أن المشكلة لا ترتبط بغياب التشريعات فقط، بل بمدى فعالية تنفيذها، في ظل استمرار الاعتماد الواسع على التعاملات النقدية، وضعف الشمول المالي، ووجود قطاعات اقتصادية كبيرة لا تزال تعمل خارج المنظومة المصرفية الرسمية.
كذلك تشير تقديرات مالية إلى أن الاقتصاد العراقي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على" الكاش" (المال النقدي)، في وقت تواجه السلطات تحديات تتعلق بتتبع التدفقات المالية والتجارية ومراقبة أنشطة بعض القطاعات غير الخاضعة للرقابة الكافية.
الباحث والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي زياد الهاشمي وصف عودة العراق إلى القائمة الرمادية بأنها" خطوة إلى الوراء وجرس إنذار دولي"، مؤكداً أن القرار يعكس استمرار وجود ثغرات في تطبيق معايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وأشار الهاشمي إلى أن هذا التطور يضع البنك المركزي العراقي والنظام المصرفي أمام تحديات متزايدة مع المؤسسات المالية العالمية، لا سيما البنوك المراسلة التي تتعامل مع العراق في تنفيذ الحوالات بالدولار، وأوضح أن الإدراج سيؤدي إلى فرض مستويات أعلى من التدقيق على الحوالات الخارجية، وإلزام المصارف العراقية بإجراءات رقابية أكثر تعقيداً، الأمر الذي قد ينعكس على سرعة تنفيذ التحويلات وكلفتها، وأضاف أن من بين النتائج المحتملة ارتفاع تكاليف الامتثال المالي، وتباطؤ تدفقات الاستثمار الأجنبي، وزيادة الضغوط على سعر الصرف في السوق الموازية، فضلاً عن احتمال ارتفاع كلفة الاقتراض الخارجي.
من جهته، حذر رئيس مؤسسة" عراق المستقبل" للدراسات والاستشارات الاقتصادية منار العبيدي من أن عدم الالتزام بالجداول الزمنية الخاصة بخطة العمل قد يفتح الباب أمام انتقال العراق إلى القائمة السوداء، وهي المرحلة التي تنطوي على تداعيات أكثر خطورة على الاقتصاد الوطني، وأكد العبيدي أن الفرصة لا تزال قائمة لتدارك الوضع، " إلا أن الفشل في تنفيذ المتطلبات الدولية ستكون له كلفة مرتفعة على الاقتصاد العراقي، وقد ينعكس بصورة مباشرة على معيشة المواطنين".
ويعد الإدراج على القائمة السوداء السيناريو الأكثر تعقيداً، إذ يؤدي إلى عزلة مالية واسعة، ويزيد من صعوبة إجراء التحويلات الخارجية، ويؤثر في قدرة الدولة على جذب الاستثمارات والحصول على التمويل الدولي.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)إصلاحات تتجاوز المعالجات الشكليةورأى الخبير الاقتصادي علي دعدوش أن إدراج العراق في القائمة الرمادية لا ينبغي النظر إليه بوصفه أزمة فقط، " بل باعتباره فرصة لإجراء إصلاحات مالية ومؤسسية عميقة تعزز ثقة المجتمع الدولي بالاقتصاد العراقي"، وقال إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إصدار تعليمات جديدة، و" إنما في معالجة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي، وفي مقدمها ارتفاع حجم التداول النقدي خارج الجهاز المصرفي وضعف استخدام الخدمات المالية الرسمية".
وأضاف أن المطلوب يتمثل في تعزيز الشفافية المالية، ورفع كفاءة تتبع التدفقات النقدية والتجارية، وتطوير الأنظمة الرقابية بما يسمح ببناء منظومة مالية أكثر كفاءة وفاعلية، وأشار دعدوش إلى أن نجاح المؤسسات العراقية في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة بصورة متكاملة سينعكس على تحسين موقع العراق لدى مجموعة العمل المالي الدولية، فضلاً عن توسيع العلاقات المصرفية الدولية وتحسين بيئة الاستثمار.
إصلاح اقتصادي أم اختبار سياسي؟يأتي القرار الدولي في وقت أعلنت الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي أن الإصلاح الاقتصادي ومكافحة الفساد يمثلان محورين رئيسين في برنامجها الحكومي، " مع التركيز على إعادة بناء النظام المالي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وإغلاق قنوات الفساد".
ورأى متابعون أن نجاح الحكومة في تنفيذ خطة العمل الخاصة بمجموعة العمل المالي لن يقتصر أثره على الجانب المالي، بل سيشكل اختباراً لقدرتها على تنفيذ إصلاحات مؤسسية واسعة تتطلب تنسيقاً بين الأجهزة المالية والقضائية والأمنية والرقابية، كذلك فإن المرحلة المقبلة ستفرض على بغداد تحقيق توازن دقيق بين تشديد الرقابة على الأنشطة المالية المشبوهة، وبين الحفاظ على انسيابية التعاملات الاقتصادية وعدم خلق بيئة معقدة تؤثر في حركة الاستثمار والتجارة.
8 سنوات بين الخروج والعودةوكان العراق قد نجح في يوليو (تموز) عام 2018 بالخروج الكامل من منطقة المتابعة والمراقبة، بعد أن حقق تقدماً ملحوظاً في استيفاء الالتزامات الدولية، من خلال استراتيجية شاملة شاركت فيها المؤسسات الحكومية والقضائية والأمنية، لكن العودة إلى القائمة الرمادية عام 2026 تكشف عن أن المحافظة على الامتثال المالي ليست إنجازاً دائماً، بل عملية مستمرة تتطلب تحديث التشريعات، وتعزيز الشفافية، ورفع كفاءة الأجهزة الرقابية، ومواكبة التطورات المتسارعة في الجرائم المالية.
وبينما تؤكد السلطات العراقية أن البلاد تجنبت السيناريو الأسوأ، رأى خبراء الاقتصاد أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان العراق قادراً على تحويل الإدراج الحالي إلى فرصة لإعادة بناء الثقة الدولية، أم أن استمرار الاختلالات سيقوده إلى تحديات مالية واقتصادية أكثر تعقيداً، في وقت يسعى إلى جذب الاستثمارات وتوسيع انفتاحه على الاقتصاد العالمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك