بعدما أصدر الكاتب والمترجم والناقد الفلسطيني الكبير جبرا إبراهيم جبرا، شراكة مع زميله الروائي السعودي عبد الرحمن منيف، عند بداية سبعينيات القرن العشرين، روايتهما المشتركة" عالم بلا خرائط" وانهارت عليه أسئلة مستنكرة من جانب الصحافيين والنقاد، ولكن أيضاً بعض القراء القلائل الذين حظيت الرواية بهم، كان في إجابته الدفاعية يقول إن الأمر ليس بدعة إذ" ثمة في تاريخ الأدب العالمي تجارب ناجحة في هذا المضمار".
وهو كان، للتأكيد على ما يقول، يذكر تعاون الكاتبين الإنجليزيين جوزف كونراد وفورد مادوكس فورد على كتابة ثلاث روايات" مشتركة" عند بدايات القرن العشرين.
بيد أنه لم يقل أبداً أن التجارب قد نجحت، معلناً أن فشلها بشكل أو بآخر، لم يوقف التعاون بين الكاتبين فقط، بل خفف من غلواء صداقتهما إذ اعتبر كل منهما، تلميحاً أو تصريحاً، أن الآخر مسؤول عن ذلك الإخفاق.
والغريب في الأمر أن جبرا لم يذكر حينها تجربة عربية في مضمار الكتابة المشتركة هي تجربة طه حسين وتوفيق الحكيم في كتابة مسرحية" القصر المهجور".
ولكن لا بأس إذ يقال دائماً أن الكنيسة القريبة لا تشفي.
ثم أن هذا ليس هو موضوعنا هنا، بل سقنا الحكاية لمجرد أن تكون مدخلاً لتلك الوضعية الطريفة التي أسفر عنها تعاون مشترك بين كاتبين لا بأس من أن نضيف أن أولهما كونراد قد حلق وحده ليصبح من كبار كتاب الرواية الشعبية ولا سيما بأعمال مثل" في قلب الظلمات" و" لورد جيم" و" نوسترومو"، بينما استغرق وصول فورد إلى الشهرة وقتاً أطول، إذ إنه بعد تجربته مع كونراد، آثر أن يتجه إلى الكتابة النخبوية" مبتكراً" ما أسماه تيار الوعي الذي تفرد به على الأقل، حتى انخراط جيمس جويس ثم فرجينيا وولف وآخرين فيه.
والحال أن ما يهمنا هنا من مادوكس هو سنوات شراكته الإبداعية مع كونراد.
على رغم شيء من القسوة نقلناه عمن حكموا على التجربة في زمنها، قد يكون من اللافت اليوم أن نقاداً كباراً ومؤرخين واعين يرون أن التعاون الأدبي عند نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بين كونراد ومادوكس فورد يعتبر من أكثر التجارب الأدبية إثارة في تاريخ الرواية الانجليزية الحديثة، هما اللذان جمعت بينهما عهدذاك صداقة فكرية عميقة وتقدير متبادل للموهبة الأدبية نتج منه ولادة تلك التجارب الثلاث التي عادت لتثير اهتمام النقاد والمؤرخين منذ أعوام.
ونعرف أن الكاتبين قد التقيا في عام 1898 تقريباً حين كان فورد معروفاً باسمه الأصلي فورد هيرمان هوفر، وكان كونراد لتوه قد بدأ بترسيخ مكانته ككاتب يكتب بالإنجليزية على رغم أنها لم تكن لغته الأم.
فهو كان بولندي الأصل كما نعرف.
وقد وجد كل منهما في الآخر ما يكمل جوانب معينة من شخصيته الأدبية.
فكونراد كان بحسب النقاد قد أطل على الحياة الأدبية بخيال روائي واسع وخبرة إنسانية اكتسبها بفضل سنوات طويلة عاملاً في الملاحة البحرية.
وكان يعاني أحياناً من بطء الكتابة وصعوبة التعامل مع اللغة الإنجليزية.
أما فورد فكان يتميز بوتيرة إنتاجه السريعة وقدرته الهائلة على التنظيم وعمق الحس النقدي ناهيك عن معرفته العميقة بالأدب الإنجليزي الحديث.
لقد أسفر التعاون بين المبدعين عن إنجازهما ثلاث روايات هي" الوارثون" و" رومانس" و" طبيعة الجريمة".
صحيح أن طبيعة مشاركة كل من الكاتبين في كل رواية اختلفت، لكن القاعدة العامة، وبحسب المؤرخين كانت تقوم على أن الكاتبين بناقشان الفكرة والحبكة والشخصيات معاً ثم يتبادلان كتابة الفصول أو مراجعتها.
ولسوف يكون من الصعب، بحسب المؤرخين، إنما في بعض الأحيان فقط، تمييز ما كتبه أحدهما عما كتبه الآخر.
وهو أمر يدل على درجة لا بأس بها من الانسجام الفني.
ومهما يكن من أمر يمكن موافقة النقاد الذين يرون أن" الوارثين" تعتبر الثمرة المبكرة لذلك التعاون وهي تجمع بين الخيال السياسي والبعد الغرائبي، وتدور من حول غزاة ينتمون إلى عوالم أخرى ويسعون للسيطرة على المجتمع البشري.
ومن اللافت أن كثراً من النقاد يرون أن هذه الرواية تحمل بصمات فورد في بنائها الفكري أو السياسي فيما تكشف عن اهتمامات كونراد بالسلطة والفساد والأوهام التي تعتري البشر حول ما يمكنهم فعله.
أما رواية" رومانس" فعبارة عن سرد لمغامرة تاريخية تدور أحداثها في منطقة البحر الكاريبي خلال القرن الثامن عشر، وتكشف قدرة الكاتبين معاً على ما يسميه النقاد" الجمع بين التشويق والرومانسية والتأمل الفلسفي".
ومن هنا لم يكن غريباً أن تحقق من النجاح، ولفترة زمنية طويلة، ما فاق نجاح الروايتين الأخريين معاً.
علماً بأن الرواية الثالثة كانت الأقل نجاحاً ويبدو أنها لم تحظ بطبعة لها لاحقة في الزمن الذي صدرت فيه على عكس الروايتين الأوليين.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وربما أدى إخفاق تلك الرواية الثالثة المعنونة كما أشرنا" طبيعة الجريمة" إلى قيام نوع من التوتر في العلاقة بين الرجلين، كشف عن تباين كبير في المزاج بينهما وعن اختلافهما بعد تلك التجارب الأولى في الدنو مما يراه كل منهما دور الأدب في الحياة.
فكونراد بدأ يكشف عن ميل أكبر إلى العمق النفسي والتأمل الأخلاقي، بينما بدا فورد أكثر على الشكلية في الجهد السردي إضافة إلى الاهتمام أكثر بالتحولات الاجتماعية والثقافية.
ومن هنا راح التعاون يختفي لمصلحة اهتمام كل من الكاتبين بمشروعه الخاص.
ومع ذلك يمكن اليوم الموافقة على ما يذهب إليه المؤرخون من أن ذلك التعاون قد ترك أثراً بالغاً في تطور الرواية الإنجليزية الحديثة.
إذ إنه" في الوقت الذي استفاد فيه فورد من خبرة كونراد في بناء الشخصيات واستكمال أعماق النفس البشرية، استفاد كونراد من حس فورد النقدي ومهارته في بناء مواضيعه".
ويرى الباحثون أن هذه الشراكة قد أسهمت في الأحوال كافة في ما يسمونه" تمهيد الطريق لظهور بعض تقنيات الحداثة الروائية" التي سوف تزهر لاحقاً في أعمال فورد نفسه وبصورة خاصة في سلسلته الروائية" نهاية العرض".
ولعل هذا ما حدا بإدوارد سعيد الذي وضع كتاباً هاماً عن كونراد إلى القول - في معرض حديثه عن تلك الشراكة ذات جلسة في نيويورك طرحنا عليه فيها سؤالاً حول تلك الشراكة - إلى القول إنها" لم تكن مجرد شراكة أدبية بل حواراً خلاقاً بين عقلين أدبيين كبيرين أسهم كل منهما على طريقته، في إثراء الرواية الإنجليزية.
".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك