قناة الجزيرة مباشر - قراءة اقتصادية.. هبوط أسعار النفط وسط مؤشرات على عودة تدفقات النفط عبر مضيق هرمز التلفزيون العربي - مضيق هرمز بين المواقف الإيرانية والأميركية.. هل عادت الحركة لطبيعتها؟ التلفزيون العربي - فيلم "كوتور".. أنجلينا جولي تواجه أحد أكبر مخاوفها على الشاشة وكالة الأناضول - الأوقاف الفلسطينية: إسرائيل تزيل مظلة صحن المسجد الإبراهيمي تمهيدا لتسقيفه القدس العربي - ديشامب: تأخير مباراة فرنسا والعراق كان لدواع أمنية وكالة الأناضول - إعلام إسرائيلي: واشنطن تفرض واقعا جديدا بلبنان ونتنياهو يتستر العربية نت - هاتف Vivo X Fold 6 قد يأتي بزيادة سعرية تتجاوز 400 دولار الجزيرة نت - مضيق هرمز يشهد انتعاشا تدريجيا بعد المحادثات الأمريكية الإيرانية القدس العربي - غوتيريش: أزمة طاقة بالدول النامية تفاقمت إلى ديون وغذاء وتنمية القدس العربي - بورقة لبنانية.. إيران تفرض نظاماً إقليمياً وترفع مستوى مكانتها
عامة

لماذا اختار ستالين ديرا مقدسا نائيا لصنع أولى قنابله النووية؟

Independent عربية
Independent عربية منذ 1 ساعة

بمناسبة الذكرى الـ80 لإنشاء مكتب التصميم الأول، الذي قاد لإنتاج طليعة القنابل النووية" الحمراء"، عادت روسيا بالذاكرة يوم الـ21 من يونيو (حزيران) للاحتفاء بإنشاء الاتحاد السوفياتي أول مركز نووي في دير ...

بمناسبة الذكرى الـ80 لإنشاء مكتب التصميم الأول، الذي قاد لإنتاج طليعة القنابل النووية" الحمراء"، عادت روسيا بالذاكرة يوم الـ21 من يونيو (حزيران) للاحتفاء بإنشاء الاتحاد السوفياتي أول مركز نووي في دير ساروف المقدس، الواقع في منطقة نائية خالية من البشر في الجزء الأوروبي من روسيا، لضمان أقصى درجات العزلة، وإجراء تجارب خطرة لا تهدد أمن وأمان المواطنين، وكان لا بد من إخفاء نتائج هذه التجارب التي لم تكن مضمونة أبداً عن بقية العالم لأسباب تتعلق بالسرية والأمن والأمان التامين.

يقع هذا الدير التاريخي في منطقة غابات نائية، بعيدة كل البعد من المدن الكبرى ومراكز النقل، مما جعله مثالياً لعزل هذا المشروع شديد السرية عن أجهزة الاستخبارات الأجنبية.

وهو أصبح في ما بعد يحمل اسم مدينة" أرزاماس-16" السرية المغلقة، ويعرف الآن باسم ساروف، بعدما أعيدت له تسميته الأصلية عقب انهيار الاتحاد السوفياتي.

الحمر يختارون ديراً مقدساً!اختارت القيادة السوفياتية قبل 80 عاماً إقامة أول مركز نووي ومكتب تصميم الرؤوس النووية والمصانع التي أنتجت قنبلتي RDS-1 وRDS-2 في دير ساروف، حيث عاش القديس سيرافيم ساروف أحد أكثر القديسين الروس تبجيلاً.

بالطبع لم تلعب الرمزية الدينية لهذا الدير المقدس أي دور في اختيار هذا الموقع مركزاً لصناعة وإبداع أول قنبلة نووية سوفياتية في مكتب التصميم الذي عرف برمز KB-11، بل تم تحديد هذا الموقع بالذات بناء على العوامل التقنية والأمنية والجغرافية التالية:أولها وجود بنية تحتية جاهزة، إذ كان موقع الدير السابق يحتوي بالفعل على مبان متينة، يمكن تكييفها لاستخدامها كمختبرات ومساكن لكبار علماء الفيزياء النووية.

كما أن موقع هذا الدير المقدس كان موقعاً ملائماً جداً للهدف الذي جرى اختياره من أجله، إذ إن موقع هذا الدير الذي يستخدمه الرهبان عادة للتعبد والتنسك بعيد من الحياة الدنيا، ومع أنه كان يقع في مكان ناء يصعب الوصول إليه، إلا أنه مع ذلك كان محاطاً بالأنهار والبحيرات الطبيعية وقريب نسبياً من العاصمة موسكو، مقارنة بالمناطق النائية في سيبيريا، مما سهل عملية توصيل المعدات والمعادن المطلوبة وكل الاحتياجات الأخرى.

كما أن بناء مكتب تصميم نووي متكامل، وتجميع أول قنبلة ذرية RDS-1، والاختبارات اللاحقة، تطلبت سرية بالغة ومطلقة، كفلتها جدران دير ساروف المقدس، الذي لم يكن أحد يشك بأن الشيوعيين الحمر الذين استولوا على أوقاف وعقارات الكنيسة الأرثوذكسية الروسية وصادروها، يقيمون أخطر وأكبر مشروع تسلح في دير مقدس.

أصدر مجلس وزراء الاتحاد السوفياتي مرسوماً مصيرياً لبدء العمل على أولى القنابل الذرية السوفياتية في الـ21 من يونيو عام 1946، ربما اليوم، بعد 80 عاماً، يمكن للمرء أن يكتشف رمزية هذا التاريخ وأهمية اختيار الهدف والمكان والأشخاص.

تم اختيار الموقع ببساطة وفقاً للمبدأ نفسه المتبع في اختيار محطتي إنتاج الوقود النووي رقم 813 و817، أي موقع منعزل بعيداً من متناول الجواسيس، ولكنه في الوقت نفسه يضم قاعدة إنتاجية ما، بحيث لا يكون من الضروري استقدام الحضارة نفسها إلى هذا المكان البعيد من البشر، الذي اختاره القديس سيرافيم ساروف للعبادة والتنسك.

وكتب خمسة من الشخصيات البارزة في المشروع الذري السوفياتي، هم إيغور كورتشاتوف، وإسحاق كيكوين، وبوريس فانيكوف، وميخائيل بيرفوخين، وأفرام زافينياجين، في تقرير إلى الزعيم جوزيف ستالين أنه" بالنظر إلى السرية الخاصة للعمل، فقد تقرر تنظيم مكتب تصميم خاص لبناء قنبلة ذرية مع المختبرات وورش العمل التجريبية اللازمة في موقع ناء ومعزول، محاط بمحميات غابات، مما يسمح بعزل العمل بصورة موثوقة".

كانت" قاعدة غلافغورستروي السوفياتية رقم 112"، المعروفة أيضاً باسم" مكتب غلافغورستروي السوفياتي في منطقة الفولغا"، تقع في دير ساروف السابق، على حدود مقاطعات ريازان وغوركي وموردوفيا، في منتصف المسافة تقريباً بين مدينة كادوم ومحطة أرزاماس، على بعد 50 إلى 60 كيلومتراً من كل منهما.

وخلال الحرب، عمل المصنع رقم 550 التابع للمفوضية الشعبية للذخيرة في هذا الموقع، إذ كان ينتج أغلفة قذائف المدفعية.

بدأ البناء مباشرة في قلب الغابة البكر، وأزيلت الأشجار، وشيدت مبان خرسانية للمختبرات ووحدات الاختبار المستقبلية، إلى جانب منازل فنلندية وأكواخ خشبية للموظفين، ومحطات توليد الطاقة، والمرافق والخدمات الأساسية.

ثم أنشئ محيط أمني، أو بالأحرى محيطات أمنية.

كانت أول مباني مكتب التصميم، المصنفة بالرقم 11 في الوثائق السرية، تقع في مباني الطوب التابعة لمزرعة الدير السابقة، وضمت هذه المباني قاعة الطعام والمساكن الأولى.

تم تعيين شخصين مسؤولين عن المشروع الذي أطلق عليه الاسم الرمزي KB-11 يولي خاريتون كمصمم رئيس للقنبلة، وبافل زيرنوف كمدير، وكانا بحسب عارفيهم من دون مبالغة، عباقرة في مجالاتهم.

قام خاريتون بحساب معايير الانفجار النووي، بالتعاون مع زميله في معهد الفيزياء الكيماوية ياكوف زيلدوفيتش.

وعندما أنشئ المختبر رقم 2 التابع لأكاديمية العلوم في الاتحاد السوفياتي عام 1943 لتطوير المشروع النووي السوفياتي، لم يتردد مديره، إيغور كورتشاتوف، في اختيار الخبير المناسب لهذا الانفجار النووي غير المسبوق.

يبدو الأمر في غاية البساطة: دمج قطعتين من دون حرجتين من اليورانيوم-235 أو البلوتونيوم-239، للحصول على تفاعل متسلسل غير متحكم فيه.

الخطة معروفة، لكن ثمة عدد من الأمور المجهولة.

ما مقدار الضغط الذي تحدثه موجة الانفجار على سطح الشحنة؟ كيف تتغير مواد المكونات الهيكلية تحت الضغط الشديد؟ ما سرعة موجة الانفجار في مختلف أنواع المتفجرات؟ وهكذا كل هذه الأمور تحتاج إلى تجارب وحسابات واستنتاجات نظرية وتنبؤات وتجارب جديدة.

باختصار، يقول العلماء الذين عايشوا بداية المشروع، إن الله نفسه أمر ستالين بتكليف خاريتون، أفضل متخصص في نظرية وفيزياء الانفجارات، بالانخراط مباشرة في صنع القنبلة، وحصل على تفويض كامل في اختيار المنظرين والمجربين.

تبدو سيرة المدير زيرنوف نموذجية لقطاع إدارة المشاريع النووية، ففي مدرسة موسكو التقنية العليا، درس الهندسة الميكانيكية، متخصصاً في محركات الاحتراق الداخلي.

وقد أظهر كفاءة عالية أهلته للحصول على شهادة دراسات عليا، ثم وظيفة تدريس.

وفي سن الـ33، أصبح زيرنوف رئيساً للمديرية الرئيسة لصناعة الجرارات في الاتحاد السوفياتي (غلافترأكتوربروم) أولاً تحت إشراف المفوضية الشعبية لبناء الآلات (ناركومماش)، ثم من عام 1939 تحت إشراف المفوضية الحزبية لبناء الآلات المتوسطة، ومن ثم أصبح نائباً للمفوضية الشعبية لبناء الآلات المتوسطة في عموم الاتحاد السوفياتي.

خلال الحرب، زاد زيرنوف إنتاج الرشاشات 10 أضعاف في فترة وجيزة بصورة ملاحظة، وأنشأ خط تجميع دبابات في مصنع بمدينة خاركوف قبل شهر من سقوط المدينة في يد النازيين، ثم تمكن من انتزاع المصنع منهم (حيث غادر المدينة بنفسه في حجرة القنابل لآخر طائرة).

بعد ذلك، وتحت وطأة القصف، أنشأ مصنع دبابات جديداً في حوض بناء السفن بمدينة ستالينغراد، وأسس خط تجميع دبابات في تشيليابينسك، وضاعف الإنتاج ثلاث مرات في نيجني تاغيل.

لم يكن قد بلغ الـ40 من عمره بعد، عندما أصبح" مبدع" الدبابات في بلد في حالة حرب!في وقت مبكر من سبتمبر (أيلول) عام 1941، بدأت المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية (الاستخبارات) بتلقي أولى المعلومات الاستخبارية: الغرب يسعى بجدية إلى تطوير القنبلة الذرية.

مع ذلك، لم يسرع لافرينتي بيريا، أقرب مساعدي القائد العام لإبلاغ ستالين بذلك، إذ لم تصل رسالته الأولى عن القنبلة إلى الكرملين إلا في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1942، ويبدو أن بيريا لم يدرك حينها أهمية اكتشافات الفيزيائيين.

لعبت الصدفة دوراً حاسماً في نجاح العلماء، ففي ربيع عام 1942، وخلال عملية تخريب خلف خطوط العدو الألماني، عثر العقيد إيليا ستارينوف على دفتر ملاحظات لأحد ضباط الفيرماخت.

احتوى الدفتر على رسومات ومعادلات، وأبلغ ستارينوف كافتانوف، مفوض العلوم في لجنة الدفاع الحكومية، بالاكتشاف، وسرعان ما أدرك كافتانوف أن الألمان يعملون على مشروع نووي.

دفعت رسائل الاستخبارات واكتشاف كافتانوف إلى كتابة تقرير إلى الكرملين، ومن هنا انطلق المشروع النووي السوفياتي.

لم تصل معلومات الاستخبارات السوفياتية إلى الفيزيائيين السوفيات إلا في أواخر عام 1942، وبعد قراءة تقارير العملاء، شعر الأب الروحي للمشروع النووي كورتشاتوف بالفزع، فكتب إلى وزير الخارجية فياتشيسلاف مولوتوف" في أبحاث اليورانيوم، تخلف العلم السوفياتي بصورة كبيرة عن نظيره في إنجلترا وأميركا، ويفتقر حالياً إلى قاعدة مادية أدنى بكثير لإجراء التجارب"، ومع ذلك تصعب مقارنة عمل الفيزيائيين السوفيات والأميركيين.

فقد تزامن بدء المشروع الذري الروسي مع هزائم قاسية على الجبهة، واستسلام مدينة سيفاستوبول الاستراتيجية، وبداية معركة ستالينغراد الدموية.

ومن المثير للدهشة أنه في ظل هذه الظروف، اتخذت قيادة البلاد هذه الخطوة التي لم تكن متوقعة على الإطلاق.

رسمياً، كانت القاعدة رقم 112 التابعة للمديرية الرئيسة للبناء في الاتحاد السوفياتي (غلافغورستروي) مسؤولة عن إنتاج محركات الصواريخ S، لماذا S؟ حتى لا يخطر ببال أحد! بين موظفي" القاعدة"، انتشر مصطلح RDS الذي ترمز حروفه للأحرف الأولى من عبارة" محرك ستالين الصاروخي" بالروسية.

وكان هناك تفسير آخر لهذا الترميز، مفاده بأن" روسيا تصنعه بنفسها".

ويزعم بأن لافرينتي بيريا نفسه هو من أبلغ ستالين بهذه الفكرة التمويهية، مستشهداً بكيريل شيلكين نائب كبير مصممي القنبلة.

لكن القنبلة كانت لا تزال بعيدة المنال، فإضافة إلى المنشأة النووية نفسها، كان على المدير زيرنوف بناء مدينة بأكملها تقريباً.

في البداية، كانت ساروف (المعروفة أيضاً باسم أرزاماس-75، وأرزاماس-16، والمشروع-550، والقاعدة-112، وكريمليف، وأيضاً، بالعامية، كوليوتشكا) صغيرة وساحرة: مبنى إداري لمكتب التصميم، وفندق، وثكنات يسكنها الموظفون النوويون، ومكتب المحاسبة، وقسم الأمن، والشرطة.

ثم كان هناك نادي البنائين في مقابل مكتب المحاسبة.

وضع مرآب في الكاتدرائية خلف برج الجرس، الذي حول لاحقاً إلى مقهى.

وعلى الجانب الآخر من الشارع، في مبنى دير قديم، افتتحوا مطعماً مع مسرح صغير.

أما بالنسبة إلى مكتب التصميم الموجود في غرف الدير المقدس المفقود، فقد كانت مؤسسته خاضعة تماماً لمنطق صنع القنبلة.

وتطلب صنع القنبلة ما يأتي:- تطوير نظرية القنبلة (كان زيلدوفيتش مسؤولاً عن ذلك).

- ضمان الضغط المتناظر كروياً للبلوتونيوم إلى كتلة حرجة (ترأس الموضوع شيلكين).

- تحديد الكتلة الحرجة للبلوتونيوم (جورجي فليروف).

- إنشاء فتيل نيوتروني (خاريتون وشيلكين).

- تطوير مكونات وتصميم القنبلة الذرية (نيكولاي دوخوف وفلاديمير ألفيروف).

ووفقاً لهذا المنطق، تألف فريق مكتب التصميم النووي من أربعة قطاعات بحثية، وقسمين نظريين، ومحطتين تجريبيتين، إضافة إلى المحطة رقم 551 للإنتاج التسلسلي للقنابل النووية، ومحطة طاقة حرارية، وعدد من الخدمات المساعدة (في المستقبل).

أشرف المدير العلمي وكبير المصممين على كل جهود البحث والتصميم، وشمل ذلك قطاع البحث، برئاسة شيلكين، وقطاع البحث والتصميم، برئاسة فيكتور توربينر.

وفي وقت لاحق، عام 1948، تم تقسيم قطاع البحث والتصميم إلى قسمين: NKS-1 برئاسة دوخوف وNKS-2 برئاسة ألفيروف.

كانت شركة مكتب التصميم KB-11 تمتلك موقعين إنتاجيين خاصين بها: المصنع رقم 1 (المعادن، والميكانيكا، والأدوات)، والمصنع رقم 2 (شحنات متفجرة بتكوينات مختلفة).

حتى قبل الحرب العالمية الثانية، كانت العلوم النووية الأساسية في روسيا في طليعة الأبحاث العالمية، لكن دائرة العلماء القادرين على الحفاظ على هذا المستوى من الخبرة، أو حتى فهم الموضوع من الأساس، كانت، كما يقال، ضيقة.

لم يتجاوز عددهم عشرات، وربما بضع مئات، في مختلف أنحاء البلاد.

وكان هناك نقص كارثي في الكوادر البشرية اللازمة للمشروع النووي المتنامي باستمرار.

لذلك، تم اختيار العاملين العلميين في بعض الأماكن بصورة فردية، وأحياناً عن طريق اجتثاث العقول الذكية من المؤسسات العلمية والصناعية التي تشبثت بهم بشدة، وفي أماكن أخرى، بالطريقة المعاكسة تماماً: من معاهد ومكاتب تصميم بأكملها.

كان خاريتون مسؤولاً عن اختيار الموظفين لأول مكتب للتصميم النووي، وكان أول عمل قام به هو استنزاف موارد معهد البحوث رقم 6 التابع لوزارة بناء الآلات الزراعية، الذي كان يبحث ويطور المتفجرات.

على رغم النظام الصارم، عاش العاملون في هذا المشروع السري حياة رغيدة في أرزاماس-16، حتى أن الفلاحين المحليين اعتقدوا أن الشيوعية تبنى هناك خلف الأسلاك الشائكة.

وماذا في ذلك؟ كان الراتب مجزياً للغاية، مع مكافآت للنظام، وللتكتم، ولصعوبة العمل.

كان الطعام في المقصف ممتازاً، وحصل العلماء على بطاقات تموينية من الفئة الأعلى.

وفوق كل ذلك، كانوا يحصلون على حصص غذائية خاصة بالرحلات الجوية.

كانت تباع هناك أشهى المأكولات، لا شيء يضاهي التقديمات والامتيازات التي كانت هناك حتى في العاصمة موسكو!الطبيعة المحيطة خلابة، توجد برك على نهري ساتيس وساروفكا، وشواطئ رائعة، ويتحدث الناس عن نادي اليخوت، ومنتجع للتزلج يقع بين أشجار الصنوبر المغطاة بالثلوج.

في الصيف، يصبح المكان جنة للنزهات.

عمل العلماء هناك بحرية وبهجة لم يسبق لهما مثيل في ذلك الوقت، في الواقع هذا ما تخيلوه تماماً: لاحقاً، عندما ظهرت مدن علمية أخرى أقل انغلاقاً إلى جانب ساروف، كان هناك حيث بدأ مبدعو أفلام مثل" تسعة أيام من عام واحد"، أو وصف الأخوين ستروغاتسكي المبكر للقرن الـ22 في استلهام مشاهدها وصورها.

لقد كان تجمعاً حقيقياً للمبدعين، إذ عمل الناس بحماسة وشغف كبيرين، غير مكترثين بأنفسهم أو بمرور الزمن، لقد عملوا في جو من الحرية الإبداعية الكاملة والموهبة الفذة، يحلون مشكلات رائعة ذات أهمية تاريخية بالغة!إجمالاً، عمل أكثر من 4500 شخص في مكتب التصميم رقم 11 في ساروف، المعروف آنذاك باسم أرزاماس-16، لبناء القوة النووية للبلاد.

من بين هؤلاء، كان ما يقارب 1000 عالم ومهندس، علاوة على ذلك، كان جميعهم، سواء العلماء أم المهندسين، متخصصين استثنائيين ومميزين.

وعلى رغم أنهم أطلقوا على مكتب التصميم الخاص بهم اسم" المقبرة الجماعية للفيزيائيين"، نظراً إلى تصنيف كل شيء فيه بصورة سرية للغاية، إلا أنهم لم يفكروا قط في التخلي عن عملهم.

بالطبع، كانت هناك حالات فردية، فالبشر بشر، لكنهم كانوا معزولين ومنعزلين.

وقد تحققت النتائج، ففي وقت مبكر من عام 1947، طورت شركة مكتب التصميم KB-11 طرقاً أصلية عدة، والتي طبقت للمرة الأولى بنجاح كبير.

نوع جديد من الصمامات، أجري عدد من الانفجارات التجريبية على نماذج، وتم تحديد درجة ضغط اللب المعدني المركزي بواسطة نواتج الانفجار الغازية.

كانت هناك تحديات كثيرة، على سبيل المثال نظام التفجير التلقائي متعدد النقاط، وقد تضمن هذا النظام 32 غطاء تفجير.

كان النظام أشبه بكرة معلقة عليها صواعق كهربائية، وكان لا بد من تفجيرها كلها في وقت واحد، في جزء من الـ1000 من الثانية.

لذا، مرة أخرى، كان التزامن هو الأساس.

أجهزة، أجهزة، أجهزة.

جهد، جهد، وجهد.

لكنهم عملوا بلا كلل، كما يشهد بذلك المشاركون.

ولم يشعروا بالتعب إلا قليلاً! ومع ذلك، فإن الاختبار الكامل لشحنة كروية يتضمن آلاف الانفجارات كان ناجحاً.

وفي الثامن من أبريل (نيسان) عام 1949، تم تشكيل أول قنبلة ذرية سوفياتية، وهي RDS-1، على أرض الواقع، فيل معدني ضخم يبلغ طوله نحو ثلاثة أمتار، مزود بـ" عينين" في رأسه الحربي، وتحتهما هوائيات ثنائية القطب لأجهزة الاستشعار اللاسلكية.

آلاف القطع، وآلاف الرسومات وآلاف الأشخاص!بعد تجربة RDS-1 في أغسطس عام 1949، اكتمل تصنيع القنبلة قبل الحصول على الكمية اللازمة من البلوتونيوم للشحنة، التي لم تصل إلا في صيف 1949، بدأ مكتب التصميم KB-11 بتطوير قنبلة نووية حرارية.

وأصبح هذا محور التركيز الرئيس للعمل، إضافة إلى الإنتاج المتسلسل للقنابل الذرية في المصنع التابع.

وقد اتخذ القرار في يونيو عام 1948" بإلزام مكتب التصميم KB-11 بقيادة زيرنوف وخاريتون بتشكيل فريق تصميم لتطوير مشروع قنبلة ديوتيريوم فائقة، وتقديم تصميم أولي بحلول الأول من يناير (كانون الثاني) عام 1949.

كانت المشكلة معقدة: كان لا بد من تحويل الديوتيريوم إلى حالة قابلة للانفجار، فعلى سبيل المثال في أول تجربة للقنبلة الهيدروجينية، نقل الأميركيون محطة تبريد كاملة إلى جزيرة إنيويتاك المرجانية للحفاظ على الديوتيريوم في حالته السائلة.

لم يعر مشروع KB-11 هذا الخيار اهتماماً جدياً، إذ كان جميع الباحثين النظريين منشغلين بكيفية الحصول على الديوتيريوم في حالته الصلبة.

تفاصيل هذا البحث ملحمية بحد ذاتها، لكنها مادة دسمة للكتاب.

المهم هو أنه عام 1953، أنجزت هذه المهمة أيضاً، وحصل الاتحاد السوفياتي على أسلحة نووية حرارية قبل الولايات المتحدة.

هناك في دير ساروف، في أوائل عام 1951، بدأوا بمعالجة مشكلة الاندماج النووي الحراري المتحكم به بصورة مباشرة.

فكروا في الأمر باستفاضة وعمق، وتوصلوا إلى فكرة حصر البلازما في مجال مغناطيسي حلقي.

تجسدت هذه الفكرة في أجهزة" التوكاماك" نفسها، التي أصبحت اليوم من أكثر الأدوات الواعدة لتحقيق الاندماج النووي الحراري المتحكم به.

ومع ذلك، فإنهم اليوم في دير ساروف يطورون مساراً آخر للاندماج النووي الحراري، وهو إنشاء البلازما وتفاعل مستدام ذاتياً عند النقطة التي تتقاطع فيها حزم الليزر القوية، كما أنهم يصنعون أجهزة الكمبيوتر العملاقة هناك.

إنهم يفعلون شيئاً آخر يطلق عليه بصورة جماعية، ببساطة، " أحدث ما توصل إليه العلم".

لذا اليوم، في الذكرى الـ80 لتأسيس مكتب التصميم KB-11، الذي أصبح الآن المركز النووي الاتحادي الروسي - المعهد الروسي لأبحاث الفيزياء التجريبية، يمكننا أن نقول بثقة، وبالطبع، بكل جدية: إن مستقبل العلم هنا في الأيدي الموثوقة نفسها كما كان في الماضي.

مهد القنبلة الذرية السوفياتية هو أرض دير نائي مهدم، دير ساروف، الذي نقل إلى ولاية مديرية نيجني نوفغورود التابعة للمفوضية الشعبية للشؤون الداخلية.

بعبارة أخرى، مدينة أرزاماس-16 السرية، التي عادت عام 1995 لاسمها التاريخي ساروف، وحتى يومنا هذا، تمكنت الكنيسة وعلماء الذرة من الجمع بين أفكار تبدو متناقضة، وجدوا أرضية مشتركة.

يقول رئيس أساقفة نيجني نوفغورود وأرزاماس المتروبوليت جاورجيوس" مدينة ساروف هي مهد مآثر القديس الروسي العظيم، أبونا الجليل حامل الله، سيرافيم ساروف صانع العجائب.

هذه هي الأماكن التي أقام فيها صلواته، ومارس فيها أعماله الرهبانية، وألقى فيها كلماته وتعاليمه، ومن تدبير الله أن صنع في هذا المكان بالذات درع وحاجز وطننا في القرن الـ20.

هذا رمز بالغ الدلالة، وقبل كل شيء، يجب علينا أن نحيي ذكرى أولئك الذين استطاعوا صنع هذا الدرع لوطننا، لكي تسود سماء السلام بلادنا لعقود طويلة مقبلة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك