فتح الهجوم الذي شنته جماعة" نصرة الإسلام والمسلمين"، ذراع تنظيم" القاعدة" الإرهابي في الساحل الأفريقي، على العاصمة النيجرية نيامي، الباب واسعاً أمام تساؤلات في شأن سر نقل التنظيم لمعاركه من المدن والبلدات النائية إلى العواصم.
وقبيل هذا الهجوم، قامت الجماعة بمحاصرة العاصمة المالية، باماكو، مما أدى إلى خنقها من خلال وقف تدفق الوقود قبل أن تشن هجوماً منسقاً مع" جبهة تحرير أزواد الانفصالية" على العاصمة ومدن أخرى مثل كيدال وغاو، مما أسفر عن خسائر فادحة في صفوف القوات الحكومية.
وتحذر دوائر سياسية واستخبارية في الساحل الأفريقي من تمكن تنظيم" القاعدة" من كسب نفوذ ميداني واسع في الأشهر الماضية، مما جعله يهدد العواصم التي تضم مقار سيادية، إذ اضطرت الحكومة في النيجر إلى غلق محيط القصر الرئاسي ومبنى رئاسة الوزراء بسبب هجمات الجماعة.
ويتزعم جماعة" نصرة الإسلام والمسلمين" في الساحل الأفريقي إياد آغ غالي، الذي يبث مقاطع فيديو على منصة" الزلاقة" يدعو فيها باستمرار إلى إسقاط الحكومات المنبثقة عن انقلابات عسكرية، ويتوعد فيها بإخراج روسيا التي نشرت نحو 2000 مرتزق لها في المنطقة خلال الأعوام الماضية.
وبات الرجل مطلوباً أكثر من أي وقت مضى من السلطات الانتقالية سواء في النيجر أم مالي، وقد وضعت مكافآت ضخمة مقابل الإدلاء بمعلومات تقود إلى اعتقاله أو تصفيته.
ويعتقد الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية محمد تورشين أنه" بلا شك الهجوم الذي شنته جماعة ’نصرة الإسلام والمسلمين‘ في الساحل الأفريقي لن يكون الأول ولا الأخير، إذ استهدفت طوال الأشهر الماضية مطار نيامي الدولي وقاعدة عسكرية داخله، وأعتقد أن هذه العملية الغرض منها بعث رسائل بعد هجوم كبير شنه الجيش المالي ضد الجماعة، بالتنسيق مع عناصر الفيلق الأفريقي - الروسي".
وتابع نورسين في حديث خاص أن" الرسالة من مهاجمة العاصمة النيجرية لأكثر من مرة، تفيد بأن الجماعة لا تزال تملك كثيراً من العناصر، ولديها القدرة على نقل المعارك وتوسيع نطاق المواجهات المسلحة".
وتابع" بالتالي الاعتماد على هذا النهج الذي يرتكز بصورة مباشرة على حرب العصابات أو الاستراتيجيات المتعددة في مواجهة الجيوش الوطنية، ستكون له تداعيات خطرة جداً ستنعكس على أمن واستقرار دول الساحل الأفريقي، خصوصاً أن التنظيم لديه إمكانات وقدرات عسكرية كبيرة".
ويعتقد تورشين أن" عدم قدرة قوات الدول الثلاث بوركينا فاسو والنيجر ومالي على توحيد جهودها في مواجهة ’القاعدة‘ أسهم بصورة كبيرة في تنامي قدراتها العسكرية، لذلك فرص نجاحها الآن في تهديد العواصم باتت كبيرة للغاية سواء نيامي أم باماكو أم حتى واغادوغو".
ولا يخفي تنظيم" القاعدة" رغبته في لعب دور سياسي في دول النيجر ومالي وبوركينا فاسو، وهو ما يجعل مراقبين يرجحون أن ضغطه على العواصم يهدف إلى تحسين شروط تفاوضه مع الأنظمة الحاكمة هناك.
وعد الباحث السياسي والأمني المتخصص في الشؤون الأفريقية عبدول سيدو أنه" في الواقع، هجمات ’القاعدة‘ اكتسبت زخماً غير مسبوق في منطقة الساحل في الأسابيع الماضية، إذ استغل التنظيم ثغرات أمنية أقر بها الرئيس المالي على سبيل المثال آسيمي غويتا، من أجل تهديد العواصم التي تضم مقار سيادية ومؤسسات عسكرية بارزة".
وأوضح سيدو في تصريح خاص أن" التنظيم يحاول بعث كثير من الرسائل من خلال مهاجمة العواصم، أولاً إضعاف صورة المجالس العسكرية الحاكمة وإظهارها على أنها عاجزة عن حماية أنظمتها ومحيطها، وهو ما يتسبب لها في حرج داخلي وخارجي".
وأردف" ثانياً، الهدف من هذه الهجمات إجبار المجالس العسكرية على التفكير في فتح باب التفاوض مع التنظيم والسعي إلى إدماجه في السلطة، فالمجالس العسكرية لا سيما في مالي تدرك طموح التنظيم للمشاركة في السلطة وتتخوف من قدرته على تهديد الاستثمارات الأجنبية والعواصم وغير ذلك".
وأكد المتحدث ذاته أن المجالس العسكرية في الساحل الأفريقي تجد نفسها اليوم أمام" مفترق طرق" وسط عجز حقيقي عن مواجهة تنظيم" القاعدة"، وفق قوله.
وأدت الهجمات التي تشنها" القاعدة" إلى مخاوف في شأن مصير الأنظمة الحاكمة، لا سيما أن هذا التنظيم أقام تحالفات غير مألوفة مع الانفصاليين، مما أتاح لها تعزيز نفوذها ميدانياً.
واعتبر تورشين أن" موقف الأنظمة الحاكمة صعب، وهي غير قادرة الآن على مواجهة التنظيم على رغم استعانتها بالتحالف مع روسيا"، مشيراً إلى أن" تنظيم ’القاعدة‘ في الساحل الأفريقي ليس تنظيماً يقوم على تعبئة عناصر ترتكز على التشدد وغير ذلك، بل هو يستقطب من مجتمعات لديها امتداد تاريخي وتداخل إثني وعرقي".
وأبرز أن" العناصر التي انضمت لـ’القاعدة‘ تظن أن ذلك سيمكنها من معالجة المظالم التاريخية التي تعرضت إليها، لذا الحل في اعتقادي يكمن في إجراء مصالحة حقيقية تعالج المظلومية التاريخية وقضايا التهميش في المنطقة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك