الجزيرة نت - علم المواطن تحت المجهر.. هل بيانات المتطوعين دقيقة كما نظن؟ روسيا اليوم - ترامب يفتح "الصندوق الأسود" ويكشف تفاصيل التفاهمات مع إيران في سويسرا قناة القاهرة الإخبارية - النازحون يتحدون التحذيرات.. ولماذا ينقسم الشارع الإسرائيلي بعد تصريحات نتنياهو الأخيرة؟ قناة الجزيرة مباشر - Kuwaiti Academic: Gulf-Iranian Understandings Move from Fragile Truce to Practical Cooperation الجزيرة نت - زيادة بـ 260%.. شرق ليبيا يتحول إلى مركز رئيسي للهجرة غير الشرعية نحو اليونان روسيا اليوم - بينيت يحذر من "لحظة حرجة" في التحالف مع واشنطن ويطالب بسياسة إسرائيلية مستقلة في لبنان العربي الجديد - "تجديف الفايكينغ"... ما سرّ احتفال لاعبي النرويج في المونديال؟ الجزيرة نت - حميدتي أين يعيش وكيف يتحرك؟ روسيا اليوم - لماذا تعجز الولايات المتحدة وإيران عن إرساء سلام دائم؟ العربي الجديد - صفقة ذكاء اصطناعي بـ75 مليون دولار تجمع "غوغل" وهوليوود
عامة

كيف يختلط العرق والأرض والسياسة والتصوف في الوعي السوداني؟

سودانايل الإلكترونية

السودان بوصفه ملتقى انتماءاتإذا حاولنا فهم الأزمة السودانية من خلال السياسة وحدها، فإننا سنصل إلى نتائج ناقصة , فالسودان ليس مجرد دولة حديثة تتنافس فيها الأحزاب على السلطة، بل هو فضاء تاريخي تشكل عب...

السودان بوصفه ملتقى انتماءاتإذا حاولنا فهم الأزمة السودانية من خلال السياسة وحدها، فإننا سنصل إلى نتائج ناقصة , فالسودان ليس مجرد دولة حديثة تتنافس فيها الأحزاب على السلطة، بل هو فضاء تاريخي تشكل عبر قرون طويلة من التفاعل بين أعراق وثقافات وأقاليم وطرق دينية وتجارب سياسية متباينةلهذا السبب يصعب اختزال السوداني في هوية واحدة أو ولاء واحدففي قطاعات واسعة من المجتمع السوداني يتجاور الانتماء القبلي مع الانتماء الوطني، ويتعايش الولاء للإقليم مع الولاء للدولة، كما تتداخل المرجعيات الدينية والصوفية مع المواقف السياسيةهذه التعددية ليست مشكلة في حد ذاتها؛ فمعظم المجتمعات الإنسانية تتكون من دوائر انتماء متعددةلكن الإشكال السوداني يبدأ عندما تتحول هذه الدوائر من عناصر إثراء للهوية إلى مراكز ولاء متنافسة تتقدم أحياناً على مفهوم المواطنةومن هنا تنبع أهمية السؤال- لماذا ظل السوداني يلجأ إلى القبيلة أو الإقليم أو الطريقة الصوفية عند الأزمات أكثر مما يلجأ إلى الدولة؟ وهل تكمن المشكلة في تعدد الانتماءات نفسها، أم في عجز الدولة عن تنظيمها داخل إطار وطني جامع؟أولاً- العرق والأرض… عندما تتحول الجغرافيا إلى ذاكرة سياسيةفي الوجدان السوداني لا تمثل الأرض مجرد مساحة جغرافية، بل تمثل التاريخ والذاكرة والكرامة الجماعيةلذلك ارتبطت كثير من الهويات القبلية والإثنية بمناطق جغرافية محددة أصبحت جزءاً من تعريف الجماعة لنفسهاغير أن هذه العلاقة الطبيعية بين الإنسان وأرضه تتحول أحياناً إلى أداة للتعبئة السياسية , فحين يشعر إقليم ما بالتهميش أو الحرمان من الموارد، لا يُترجم ذلك دائماً إلى مطالب اقتصادية فقط، بل يتحول إلى خطاب هوية يربط بين الأرض والانتماء والحقوق التاريخيةومن هنا نفهم كيف يمكن أن يتحول نزاع حول الموارد أو التنمية إلى نزاع عرقي أو جهوي، وكيف يصبح الصراع السياسي في نظر كثيرين صراعاً بين مراكز وأطراف، أو بين جماعات ترى نفسها مالكة للسردية الوطنية وأخرى تشعر بأنها مستبعدة منهاثانياً- التصوف… من التربية الروحية إلى التنظيم الاجتماعيلا يمكن فهم الشخصية السودانية دون فهم الدور التاريخي للتصوففقد لعبت الطرق الصوفية دوراً يتجاوز الوظيفة الدينية التقليدية، إذ ساهمت في نشر الإسلام، وتوطين الثقافة العربية الإسلامية، وبناء شبكات واسعة من التضامن الاجتماعي والتكافل الأهليكانت الخلاوي والزوايا في كثير من الفترات تقوم بوظائف التعليم والقضاء والوساطة الاجتماعية، بل وأحياناً بوظائف كانت من المفترض أن تؤديها الدولة نفسهاولذلك أصبح الشيخ الصوفي في المخيال الشعبي ليس مجرد مرشد روحي، بل مرجعاً اجتماعياً وأخلاقياًلكن هذا الدور التاريخي جعل بعض الولاءات الصوفية تتداخل مع المجال السياسي , وعندما ظهرت الأحزاب الحديثة لم تبدأ من فراغ، بل ورث بعضها شبكات اجتماعية تشكلت داخل البيئات الصوفيةوهكذا دخلت أنماط الولاء التقليدي إلى السياسة الحديثة، وأصبحت المنافسة السياسية في بعض الأحيان امتداداً لبنى اجتماعية أقدم من الدولة نفسهاثالثاً- الاقتصاد… الوقود الخفي لصراعات الهويةمن الأخطاء الشائعة تفسير الصراعات السودانية بوصفها صراعات هوية خالصةففي كثير من الحالات تخفي خطابات الهوية نزاعات أعمق تتعلق بالموارد والتنمية والفرص الاقتصاديةفالإنسان لا يحمل السلاح عادة بسبب الهوية وحدها، بل بسبب شعوره بالحرمان أو التهميش أو غياب العدالة في توزيع السلطة والثروةغير أن التعبير عن هذه المطالب الاقتصادية غالباً ما يأتي بلغة الهوية لأنها اللغة الأكثر قدرة على الحشد والتعبئةلذلك فإن كثيراً من النزاعات التي تبدو عرقية أو جهوية في ظاهرها تحمل في جوهرها أسئلة تتعلق بالتنمية والعدالة الاقتصادية وبنية الدولة نفسهارابعاً- الولاء السياسي بوصفه حصيلة تداخلات متعددةنتيجة لهذا التاريخ المعقد، لا يتشكل الولاء السياسي في السودان دائماً على أساس البرامج والأفكار وحدها، بل يتأثر بمجموعة من العوامل المتداخلة- الانتماء القبلي أو الجهويالذاكرة التاريخية المرتبطة بالأرضالمرجعية الدينية أو الصوفيةالمصالح الاقتصادية والشبكات الاجتماعيةصورة القائد بوصفه رمزاً للحماية أو التمثيللهذا تبدو السياسة السودانية في كثير من الأحيان وكأنها ساحة تتنافس فيها الهويات بقدر ما تتنافس فيها البرامجوعندما تضعف الدولة أو تدخل في أزمات حادة، تعود الانتماءات الأولية إلى الواجهة لأنها توفر للفرد شعوراً بالأمان والانتماءخامساً- أزمة الدولة لا أزمة المجتمعربما يكون الخطأ الأكبر في كثير من التحليلات هو اعتبار القبيلة أو التصوف أو الانتماء الجهوي أسباباً مباشرة للأزمة السودانيةفالمجتمعات في كل أنحاء العالم تحتفظ بانتماءات دينية وثقافية وإقليمية متنوعة، ومع ذلك تنجح في بناء دول مستقرةالمشكلة ليست في وجود هذه الانتماءات، بل في غياب الدولة القادرة على تنظيمها داخل عقد اجتماعي عادلإن فشل الدولة في تقديم الأمن والخدمات والعدالة يجعل المواطن مضطراً للبحث عن بدائل للحماية، فيلجأ إلى القبيلة أو الطريقة أو الجماعة المحليةوعندما تصبح هذه الشبكات البديلة أكثر فاعلية من الدولة، تتراجع المواطنة وتتقدم الولاءات الأوليةسادساً – نحو مواطنة تستوعب التنوعلعل الخطأ الذي وقعت فيه بعض النخب السودانية هو اعتقادها أن بناء الدولة يقتضي إلغاء الانتماءات التقليدية أو محاربتهالكن التجارب الحديثة تشير إلى أن نجاح الدولة لا يقوم على محو الهويات، بل على إدارتها وتنظيمها داخل إطار وطني جامعفالمطلوب ليس سوداناً بلا قبائل أو بلا طرق صوفية أو بلا خصوصيات إقليمية، بل سوداناً تكون فيه المواطنة هي المرجعية النهائية التي تنظم العلاقة بين جميع هذه الانتماءاتإن بناء دولة عادلة وفعالة هو الشرط الأساسي لتحويل التنوع من مصدر للصراع إلى مصدر للقوةالهوية السودانية بين التعدد والوحدةربما لا تكمن خصوصية السودان في تعدد مكوناته، بل في عمق التداخل بينها , فالعرق والأرض والتصوف والسياسة ليست عوالم منفصلة، وإنما طبقات متراكبة شكلت الوعي السوداني عبر قرون طويلةولهذا فإن تجاوز أزمات الحاضر لا يقتضي إنكار هذه الانتماءات أو التخلص منها، بل فهمها وإعادة ترتيبها داخل مشروع وطني جديد , فالمواطنة ليست بديلاً عن الهوية، بل هي الإطار الذي يسمح للهويات المختلفة بأن تتعايش دون أن تتحول إلى أدوات صراعوربما يكون التحدي الأكبر أمام السودانيين اليوم هو الانتقال من سؤال – “من نحن؟ ” إلى سؤال أكثر إلحاحاً هو “كيف نعيش معاً رغم اختلافنا؟ ” فهنا تبدأ الدولة، وهنا يبدأ المستقبل.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك