الجزيرة نت - علم المواطن تحت المجهر.. هل بيانات المتطوعين دقيقة كما نظن؟ روسيا اليوم - ترامب يفتح "الصندوق الأسود" ويكشف تفاصيل التفاهمات مع إيران في سويسرا قناة القاهرة الإخبارية - النازحون يتحدون التحذيرات.. ولماذا ينقسم الشارع الإسرائيلي بعد تصريحات نتنياهو الأخيرة؟ قناة الجزيرة مباشر - Kuwaiti Academic: Gulf-Iranian Understandings Move from Fragile Truce to Practical Cooperation الجزيرة نت - زيادة بـ 260%.. شرق ليبيا يتحول إلى مركز رئيسي للهجرة غير الشرعية نحو اليونان روسيا اليوم - بينيت يحذر من "لحظة حرجة" في التحالف مع واشنطن ويطالب بسياسة إسرائيلية مستقلة في لبنان العربي الجديد - "تجديف الفايكينغ"... ما سرّ احتفال لاعبي النرويج في المونديال؟ الجزيرة نت - حميدتي أين يعيش وكيف يتحرك؟ روسيا اليوم - لماذا تعجز الولايات المتحدة وإيران عن إرساء سلام دائم؟ العربي الجديد - صفقة ذكاء اصطناعي بـ75 مليون دولار تجمع "غوغل" وهوليوود
عامة

حين تصبح المقابر موردًا للخزانة

سودانايل الإلكترونية

إذا صح الخبر المتداول عن دراسة مقترح لفرض رسوم على دفن الموتى وتخصيص عائداتها لدعم “المجهود الحربي”، فإن الأمر يتجاوز كونه إجراءاً مالياً جديداً إلى كونه مؤشراً بالغ الدلالة على طبيعة الأزمة التي بلغت...

إذا صح الخبر المتداول عن دراسة مقترح لفرض رسوم على دفن الموتى وتخصيص عائداتها لدعم “المجهود الحربي”، فإن الأمر يتجاوز كونه إجراءاً مالياً جديداً إلى كونه مؤشراً بالغ الدلالة على طبيعة الأزمة التي بلغتها الدولة السودانية، وعلى حدود قدرتها على إيجاد موارد اقتصادية حقيقية من خارج جيوب المواطنين المنهكين أصلاً.

في علم الاقتصاد السياسي، لا تُقاس قوة الدولة بما تفرضه من رسوم وضرائب فحسب، وإنما بنوعية الأنشطة الاقتصادية التي تستطيع أن تستمد منها إيراداتها.

فالدول القادرة تستند إلى الإنتاج، والصادرات، والاستثمار، والنمو الاقتصادي.

أما حين تبدأ الدولة في البحث عن موارد استثنائية من مناسبات الميلاد والزواج والوفاة، فإن ذلك غالباً ما يكون علامة على انكماش القاعدة الاقتصادية وعجزها عن توليد موارد مستدامة.

والسودان اليوم لا يحتاج إلى كثير من المؤشرات لإثبات حجم الفقر الذي أصاب المجتمع.

فالحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة اعوام دفعت ملايين المواطنين إلى النزوح، وأخرجت قطاعات واسعة من النشاط الزراعي والصناعي والخدمي من دائرة الإنتاج.

وتراجعت الدخول الحقيقية للأسر بصورة غير مسبوقة تحت وطأة التضخم وانهيار العملة وارتفاع أسعار السلع الأساسية.

وفي كثير من المدن والقرى لم تعد الأسر تكافح من أجل تحسين مستوى معيشتها، بل من أجل المحافظة على الحد الأدنى من البقاء.

في مثل هذا السياق يصبح السؤال مشروعاً: من هو المواطن الذي ستُفرض عليه هذه الرسوم؟إن الميت نفسه هو في الغالب ضحية للظروف نفسها التي أنتجت الأزمة الاقتصادية.

والأسرة التي جاءت لتواريه الثرى هي غالباً أسرة تواجه أصلاً أعباء المعيشة وتكاليف العلاج والنزوح وفقدان مصادر الدخل.

ولذلك فإن فرض رسوم إضافية على لحظة الدفن لا يبدو، في نظر كثيرين، مجرد إجراء مالي، بل تحميلاً لأفقر الفئات كلفة أزمة لم تكن مسؤولة عن صنعها.

لقد عرف السودانيون عبر تاريخهم الطويل أن المقابر كانت من أقل المجالات خضوعاً لمنطق الجباية.

ليس لأن الموت خارج دورة الحياة الاقتصادية فحسب، وإنما لأن المجتمع كان ينظر إلى لحظة الدفن بوصفها مساحة أخيرة للتكافل الإنساني تتراجع فيها الحسابات المادية أمام اعتبارات الكرامة والرحمة.

ولهذا كانت المجتمعات المحلية، والطرق الصوفية، ولجان الأحياء، والأسر الممتدة، تتسابق لتقديم العون لأهل الميت لا لتحصيل الرسوم منهم.

الأمر الأكثر إثارة للانتباه في هذا المقترح، إن صح، ليس قيمة الرسوم نفسها، بل الغاية المعلنة منها.

فحين تُربط عملية دفن الموتى مباشرة بتمويل “المجهود الحربي”، فإن الدولة تكون قد انتقلت من البحث عن موارد إنتاجية إلى البحث عن موارد رمزية وسياسية، بما يحمل ذلك من دلالات تتجاوز الاقتصاد إلى المجال الأخلاقي والاجتماعي.

فالحروب، مهما كانت دوافعها، تحتاج إلى اقتصاد قادر على تحمل أعبائها.

والتاريخ يعلمنا أن الاقتصادات المنهكة لا تنتصر بالجبايات المتزايدة، وإنما بإعادة بناء الإنتاج وتحفيز النشاط الاقتصادي واستعادة الثقة العامة.

أما الاعتماد على الرسوم المتفرقة التي تُفرض على الخدمات الأساسية والمناسبات الاجتماعية، فإنه قد يوفر إيرادات محدودة على المدى القصير، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن ضعف البنية الاقتصادية التي يفترض أن تموّل الدولة في الظروف الطبيعية.

ولعل المفارقة المؤلمة أن السودان، الذي يمتلك ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة، وثروات حيوانية ضخمة، وموارد معدنية معتبرة، وشباب قادر على العمل والإنتاج، يجد نفسه يناقش اليوم إمكانية تمويل الخزانة العامة عبر رسوم على دفن الموتى.

وهذه المفارقة وحدها كافية لطرح أسئلة جوهرية حول مسار الإدارة الاقتصادية خلال السنوات الماضية وحول الأولويات التي أوصلت البلاد إلى هذا المستوى من الضيق المالي.

ليس الاعتراض هنا على مبدأ تنظيم المقابر أو تحسين إدارتها، فذلك شأن إداري مشروع قد تكون له مبرراته.

وإنما الاعتراض على أن تتحول المقابر إلى مورد مالي جديد يُضاف إلى سلسلة طويلة من الأعباء التي يتحملها المواطن السوداني في واحدة من أصعب الفترات التي مرت على البلاد منذ الاستقلال.

فالدول تُقاس في أوقات الأزمات بقدرتها على حماية مواطنيها الأكثر ضعفاً، لا بقدرتها على ابتكار وسائل جديدة لتحصيل الأموال منهم.

وإذا كان الفقر له مؤشرات متعددة، فإن من بين أكثرها قسوة أن تضطر الدولة إلى البحث عن مواردها عند أبواب المقابر، في الوقت الذي تتعطل فيه أبواب الإنتاج.

ففي تلك اللحظة لا يكون السؤال عن قيمة الرسوم، بل عن حجم الأزمة التي جعلت مثل هذا المقترح قابلاً للنقاش أصلًا.

muhammedbabiker@aol.

co.

uk.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك