إيلاف من لندن: في الوقت الذي ينشغل فيه قصر وستمنستر بخلافة قيادة حزب العمال، أمضى كير ستارمر جزءاً من أيامه الأخيرة في رئاسة الوزراء وهو يتعامل مع تحدٍّ مختلف تماماً: التداعيات الاقتصادية والأمنية المتنامية للأزمة في الشرق الأوسط.
ومن المقرر أن يترأس ستارمر بعد ظهر اليوم، 23 يونيو 2026، اجتماعاً للجنة الاستجابة لأزمات الشرق الأوسط (MERC)، وهي هيئة حكومية على مستوى مجلس الوزراء أُنشئت في وقت سابق من هذا العام لتنسيق الرد البريطاني على التطورات المرتبطة بإيران، واستمرار الاضطرابات في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وحالة عدم الاستقرار الأوسع التي تؤثر على منطقة الخليج.
ويكشف وجود هذه اللجنة عن أمر مهم في تقييم وايتهول للأزمة.
فالوزراء لم يعودوا ينظرون إلى الوضع باعتباره حالة طوارئ قصيرة الأمد، بل بات يُنظر إليه بشكل متزايد باعتباره تحدياً استراتيجياً له انعكاسات على أسعار الطاقة والتضخم والأمن القومي والموقف الدبلوماسي البريطاني على المدى البعيد.
وعلى خلاف لجنة الطوارئ الوطنية (COBR) المخصصة لإدارة الأزمات الفورية، تبدو لجنة الشرق الأوسط (MERC) مصممة للعمل لفترة أطول بكثير.
ويصفها المسؤولون بأنها آلية تجمع وزارة الخزانة ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع ووزارة الداخلية ومكتب رئيس الوزراء في إطار واحد قادر على التخطيط لسيناريوهات قد تمتد لأشهر وليس لأيام فقط.
وتترأس اللجنة الوزارية رئاسة الوزراء، وتضم وزير الخارجية ووزيرة الخزانة ووزير الدفاع ووزيرة الداخلية ووزير الطاقة، إلى جانب وزراء آخرين بحسب طبيعة الملفات المطروحة.
كما تدعمها لجنة من كبار المسؤولين برئاسة أمينة مجلس الوزراء، السيدة أنطونيا روميو، وتضم مسؤولين كباراً من الخارجية والخزانة والدفاع والداخلية وأجهزة الأمن القومي.
ويشبه هذا الهيكل إلى حد كبير آليات التنسيق الحكومي الشامل التي أُنشئت خلال مرحلة “بريكست” ثم جرى تطويرها لاحقاً أثناء جائحة كوفيد-19.
تعكس أجندة اجتماع اليوم حجم القلق داخل الحكومة البريطانية.
ووفقاً للإحاطات الحكومية، ناقش الوزراء:* التداعيات الاقتصادية للنزاع المرتبط بإيران.
* تقلبات أسواق الطاقة العالمية.
* أمن الملاحة البحرية في مضيق هرمز ومحيطه.
* التنسيق مع الشركاء الدوليين.
* خطط الطوارئ في حال تصاعد الأزمة بشكل أكبر.
يحمل توقيت الاجتماع دلالات سياسية مهمة.
ففي الوقت الذي يستعد فيه حزب العمال لخوض سباق على القيادة، تحرص داونينغ ستريت على إظهار استمرارية عمل الحكومة وعدم تأثر مؤسسات الدولة بالانتقال السياسي.
وأكد مسؤولون أن ستارمر يريد انتقالاً سلساً للسلطة، وأن أعمال الحكومة ستستمر بصورة طبيعية عبر الوزراء والوزارات والجهاز الإداري للدولة إلى أن يتولى خليفته منصبه رسمياً.
وهذه الرسالة لا تستهدف الأوساط السياسية في وستمنستر فقط، بل أيضاً الأسواق المالية.
فبينما تستحوذ معركة القيادة على العناوين السياسية، تدرك دوائر صنع القرار أن بريطانيا ما زالت تواجه تحديات دولية لا يمكن تجميدها إلى حين اختيار زعيم جديد للحزب الحاكم.
التحدي الأول لرئيس الوزراء المقبلفي الواقع، قد تكون أزمة الشرق الأوسط أول اختبار حقيقي ينتظر خليفة ستارمر، سواء كان آندي بورنهام أو أي مرشح آخر.
فالرئيس القادم للحكومة لن يرث فقط مشهداً سياسياً داخلياً منقسماً، بل أيضاً أزمة جيوسياسية قد تكون لها تداعيات مباشرة على التضخم وأسعار الطاقة ومعدلات النمو الاقتصادي.
ورغم التركيز الإعلامي المكثف على المنافسة داخل حزب العمال، جاء اجتماع اليوم ليذكّر بأن الحكومات نادراً ما تملك رفاهية اختيار أولوياتها.
فبينما تنشغل وستمنستر بملف الخلافة، تستمر التطورات في الخليج في فرض نفسها على جدول أعمال من سيدخل في نهاية المطاف إلى مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت.
مهما كانت نتيجة انتخابات قيادة حزب العمال، فمن المرجح أن تستمر لجنة الاستجابة للشرق الأوسط (MERC) بعد مغادرة ستارمر لمنصبه.
فالأزمة المرتبطة بإيران لا تبدو قريبة من الحل، كما أن المسؤولين البريطانيين باتوا ينظرون إلى تداعياتها الاقتصادية والأمنية باعتبارها تحدياً طويل الأمد.
ومن هذا المنطلق، قد لا يكون الإرث المؤسسي الأخير لستارمر مجرد قرار سياسي أو مبادرة دبلوماسية، بل إنشاء آلية حكومية دائمة داخل وايتهول، صُممت ليس فقط للتعامل مع أزمة اليوم، بل مع الأزمة التي سيجد خليفته نفسه مضطراً إلى إدارتها في السنوات المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك