لا أحد يختلف على أن المسؤول العمومي الذي يرتكب فعلاً فاضحاً في مكتبه الرسمي قد أساء إلى المنصب الذي يشغله وخان الثقة التي أُوكلت إليه واستحق أن يحاسب بأقصى ما يتيحه القانون من عقوبة.
فالمنصب العام ليس امتيازاً شخصياً بل أمانة ومن يلوث هذه الأمانة بفعله المشين لا يستحق حماية ولا تبريراً ولا التماس أعذار.
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا.
هل تتحقق العدالة بإغراق هواتف الناس بالمقاطع الفاضحة؟ وهل يصبح المجتمع أكثر فضيلة كلما ازداد تداول المشاهد المخلة وانتشرت بين الصغير والكبير؟
إن الفرق كبير بين كشف الجريمة ومحاسبة مرتكبها وبين تحويل الفضيحة إلى سلعة رائجة يتسابق الناس إلى نشرها وإعادة إرسالها والتعليق عليها فالأول واجب يفرضه القانون والأخلاق أما الثاني فهو إسهام مباشر في نشر الفاحشة وتطبيعها وإدخالها إلى كل بيت.
لقد حسم القرآن الكريم هذه المسألة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.
فالآية لا تتحدث عن مرتكب الفعل وحده، بل تحذر أيضاً من الذين يجعلون الفاحشة حديث المجالس ومادة التداول ومنتجاً إعلامياً يومياً.
ومن روائع ما نقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قوله (لو رأيت الفضيحة بأم عينيّ لسترتها بردائي، فإن مُذيع الفاحشة كفاعلها) وهي حكمة تختصر الفرق بين الإصلاح والتشهير وبين محاربة المنكر ونشره.
إن بعض الناس يظنون أنهم يؤدون واجباً أخلاقياً عندما يعيدون نشر المقاطع الفاضحة بينما هم في الحقيقة يوسعون دائرة الضرر.
فالمشهد الذي كان محصوراً في مكان وزمان محددين يصبح بعد آلاف المشاركات متاحاً لكل طفل ومراهق وأسرة.
وهنا لا يعود الأمر محاسبة لمسؤول منحرف، بل يتحول إلى عملية نشر جماعي للرذيلة.
نحن مع كشف الفساد ومحاسبة الفاسدين، ومع تطبيق القانون بلا تردد على كل مسؤول يسيء إلى موقعه أو يخل بواجباته.
لكننا في الوقت نفسه ضد تحويل المجتمع إلى منصة لتداول الفضائح.
فالمطلوب أن يصل الدليل إلى القضاء، لا أن يصل المقطع إلى ملايين الهواتف.
المجتمعات لا تبنى بالتستر على المجرمين كما أنها لا تبنى بإشاعة الفواحش.
والميزان الأخلاقي السليم هو أن نعاقب المذنب، ونحفظ المجتمع من آثار ذنبه، لا أن نجعل خطيئته مادة يومية للفرجة والتداول.
فالعدالة أن يحاسب المسيء، أما الفضيلة فأن نمنع انتشار الإساءة.
وبين الأمرين فرق كبير لا ينبغي أن يضيع وسط ضجيج مواقع التواصل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك