شيئاً فشيئاً، تقترب حكومات عربية عدة من ألغام شعبية وملفات مالية ساخنة وبالغة الحساسية بالنسبة للمواطن الفقير، ملفات ترتبط بشكل مباشر بالأوضاع المعيشية والمالية والنقدية المستقرة منذ سنوات طويلة، وتلتهم الحكومات من خلال هذا التحرك ما تبقى من مزايا اجتماعية وأصول، كما تعمق موجات الغلاء والفقر والاستدانة.
من أبرز تلك المحاولات المس بشكل مباشر برغيف خبز الفقراء في مصر والذي يهم حياة أكثر من نصف السكان، والاستغناء عن آلاف الموظفين الحكوميين في السودان وبما يزيد عن نصف موظفي الدولة، والتصرف عبر البيع في جزء من احتياطي الدولة اللبنانية من الذهب.
تتحجج الحكومات بالأزمات المالية عند اقترابها من تلك الملفات الحساسة، والزعم بأن الحروب في المنطقة وزيادة المخاطر الجيوسياسية الإقليمية والمشاكل الاقتصادية العالمية وزيادة التضخم في الأسواق الخارجية هي من يجبرها على الاقتراب من تلك الملفات رغم أن الواقع يقول إن تلك الحكومات هي السبب الرئيسي وراء الأزمات المعيشية التي يمر بها المستهلك وخلف تعمقها وتأزمها، وتقف سياساتها وراء الأزمات الكبيرة التي يمر بها الاقتصاد والأسواق والعملة، خاصة على مستوى سفه الاقتراض الخارجي وإهدار المال العام.
في مصر تقترب الحكومة وبسرعة من رغيف الخبز المدعم الذي يستفيد منه 70 مليون مواطن، تريد وضع نهاية سريعة للملف الذي يؤرقها مع مطالبات صندوق النقد بخفض الدعم وزيادة السعرفي مصر تقترب الحكومة وبسرعة من رغيف الخبز المدعم الذي يستفيد منه 70 مليون مواطن بشكل مباشر، يستهلكون نحو 270 مليون رغيف يوميا، بواقع 5 أرغفة لكل فرد، تريد وضع نهاية سريعة لهذا الملف الذي يؤرقها خاصة مع مطالبات صندوق النقد بخفض الدعم وزيادة سعر رغيف الخبز.
وبعد أن جربت الحكومة حيلا عدة للالتفاف على الملف الشائك مثل زيادة سعر الرغيف من خمسة قروش إلى 20 قرشا في منتصف العام 2024 مع خفض وزنه عدة مرات، يبدو أنها تريد حل الأزمة التي تؤرقها هي والدائنين الدوليين بشكل قاطع عبر إلغاء دعم الخبز العيني واستبداله بدعم نقدي هزيل لا يتناسب مع قفزات الأسعار وكلفة المعيشة والتضخم وتآكل المدخرات، أو اللجوء لخيار صعب على المواطن وهو زيادة سعر رغيف الخبز بمعدلات قياسية ليصعد من 20 قرشا إلى 1.
5 جنيه، مع تخفيض وزنه من 90 إلى 70 غراما.
مبررات الحكومة عديدة للاقتراب من ملف الخبز المدعم الذي يهم ملايين الفقراء، فتارة يتم الترويج على نطاق واسع لمزاعم منها تفشي الفساد في منظومة الخبز المدعم والذي وصل حجمه إلى 30 مليار جنيه سنوياً، أي نحو 600 مليون دولار، وتارة تحت مبرر أن الخطوة تأتي في إطار خطة التحول من الدعم العيني لرغيف الخبز إلى الدعم النقدي، أو أن متوسط تكلفة إنتاج رغيف الخبز المدعم الفعلية هي 1.
84 قرش وفق تصريح لمساعد وزير التموين حسام الجراحي.
ومرة رابعة تحت بند أن الهدف من إصلاح منظومة الخبز هو وصول الدعم لمستحقيه وليس التوفير فقط كما قال وزير التموين شريف فاروق، والذي خرج علينا قبل أيام بتحديد تكلفة الرغيف الموحدة بنحو 150 قرشاً لوزن 70 غراما، في منظومة الدعم النقدي الجديدة، وهي تكلفة مرتفعة بالنسبة للأسرة المصرية.
نحن أمام حكومات تدهس المواطن وبقوة وتزاحم الجميع حتى لو في لقمة عيشهم، أو في وديعة صغيرة قد تقي من غدر الزمن وحياة لا ترحموفي السودان قدمت لجنة التصفية، أو ما تعرف باسم اللجنة العليا لإصلاح وإعادة هيكلة الخدمة المدنية، اقتراحاً للحكومة بإنهاء خدمة 63.
8 ألف موظف وعامل من بين 106.
3 آلاف يعملون بالمؤسسات الحكومية والهيئات والشركات العامة، بنسبة فصل بلغت 60% من العاملين بالدولة، واللافت أن هذا المقترح الخطير يأتي في ظل مرور الدولة بأزمة أمنية تهدد وجودها أصلاً.
أما لبنان فتعالج الحكومة أزمتها المالية على حساب المودعين والمواطنين دون أن تمسك بالمجرم الأساسي الذي يقف خلف الأزمة سواء كان داخل دوائر صنع القرار والنخب السياسية أو داخل مصرف لبنان المركزي أو المصارف التجارية، إذ وفق موقع" غلوبال ووتش عربية" الفرنسي، فإن الرئيس اللبناني جوزاف عون يدرس مقترحاً قدّمه حاكم مصرف لبنان للاستفادة من احتياطيات الذهب، سواء عبر بيع جزء منها أو توظيفها ضمن خطة أوسع لإعادة هيكلة القطاع المالي وإنقاذ ما تبقى من النظام المصرفي.
لا تخجل الحكومات من إقامة مشروعات في الصحراء لا تهم المواطن في شيء وبكلفة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات كما الحال في مصر، ولا تخجل من إلقاء عشرات الآلاف من الموظفين في الشارع بقرار تعسفي كما في السودان، أو أن تغض الطرف عن تهريب مليارات الدولارات من أموال البنوك للخارج كما في لبنان، لكنها تصبح أسداً جسوراً عندما يتعلق الأمر بحقوق الفقراء وأصحاب المدخرات الصغيرة وصغار الموظفين، فهؤلاء يجب أن يتم دهسهم بقوة ومزاحمتهم حتى لو في لقمة عيشهم، أو في وديعة صغيرة تقي من غدر الزمن وحياة لا ترحم.
ببساطة، نحن أمام حكومات لا ترحم الفقراء، وتزاحمهم حتى في رغيف خبز حاف وفرصة عمل يكفي دخلها بالكاد أبسط تكاليف المعيشة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك