عمان- أصدر المعهد العالمي للفكر الإسلامي في الأردن كتاب" تطوير التعليم في المجتمعات المسلمة: خطاب الأمل"، الذي يتناول قضايا إصلاح التعليم من منظور فكري وتربوي يجمع بين الأصالة والمعاصرة.
اضافة اعلانويسعى الكتاب إلى تقديم رؤية نقدية للاتجاهات الإصلاحية السائدة، مع إبراز نماذج ومبادرات تعليمية تستند إلى القيم القرآنية ومبادئ التكامل المعرفي، بما يسهم في بناء خطاب تربوي جديد يركز على الأمل واستثمار مكامن القوة في المجتمعات المسلمة.
ويُشكّل هذا الإصدار، الذي تولّت إلهام ناصر تحريره وترجمه حسام صبري، إضافةً نوعية إلى الأدبيات المعاصرة في مجال التربية والتعليم؛ إذ يقدّم رؤى ومقاربات نظرية وعملية لتطوير المؤسسات التعليمية، ويؤكد أهمية بناء منظومات تعليمية قادرة على إعداد أجيال تمتلك المعرفة والمهارة والقيم، وتمكينها من التفاعل الإيجابي مع تحديات القرن الحادي والعشرين، مع الحفاظ على هويتها الثقافية والحضارية.
وفي مقدمة الكتاب، يشير المؤلفون إلى أن المعهد أطلق مبادرة" الارتقاء بالتعليم في المجتمعات المسلمة"، واستثمر خلال السنوات الماضية في البحوث التجريبية بهدف تحقيق نتائج عملية تستند إلى تراكم طويل من الدراسات النظرية، بما يسهم في دعم أجندة الإصلاح في المجتمعات الإسلامية.
ويُعد الارتقاء بالتعليم في المجتمعات المسلمة مشروعا طموحا وهدفا استراتيجيا بعيد المدى للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، في إطار جهود أوسع لإصلاح التعليم وتبادل الخبرات والدروس المستفادة، ولا سيما مع دول الجنوب العالمي أو ما تصفه المنظمات الدولية بالبلدان منخفضة الدخل.
وتأتي هذه المبادرة انسجاماً مع الحركات الإصلاحية العالمية التي تنتقد المنهج السائد في التعامل مع التعليم بوصفه حزمة أيديولوجية من أفكار الإصلاح.
ومن أبرز القضايا التي تتناولها هذه الحركات: الخصخصة، والاختبارات الموحدة، والمساءلة التعليمية، وحرية اختيار المدارس.
وتستند الحركة العالمية لإصلاح التعليم إلى منطق يقوم على تعزيز استثمارات القطاع الخاص والشركات في المجال التعليمي، حيث غالبا ما تُدفع الإصلاحات بسياسات مركزية وإملاءات خارجية ونماذج مستوردة من الدول المتقدمة.
فعلى سبيل المثال، تبنّت تشيلي نموذج" السوق الحرة"، في التعليم، الذي طُوِّر في الولايات المتحدة الأمريكية، بهدف تطوير القطاع التعليمي من خلال المنافسة وحرية اختيار المدارس.
غير أن هذه التجارب تعرضت لانتقادات واسعة، إذ إن سياسات اختيار المدارس أفادت المجتمعات الأكثر ثراءً بدرجة أكبر، بينما لم تحقق الفوائد نفسها للمجتمعات التي تعاني الفقر.
ولا شك أن إلقاء نظرة تاريخية متعمقة على مسارات الإصلاح التعليمي في المجتمعات الإسلامية أمر مهم، وإن كان يتجاوز نطاق هذا الكتاب.
ومع ذلك، لا بد من الإقرار بإسهامات العديد من علماء المسلمين في مصر وغيرها من البلدان، الذين دعوا إلى إصلاح التعليم بوجه عام، والتعليم الإسلامي على وجه الخصوص.
وكان المعهد العالمي للفكر الإسلامي شريكاً رئيساً في دعم أهداف الإصلاح وتعزيزها.
ويُعد المعهد مؤسسة أكاديمية وبحثية رائدة تُعنى بتجديد الفكر الإسلامي من خلال تكامل المعرفة في العلوم الاجتماعية.
وقد أعاد التركيز على مبادرة" الارتقاء بالتعليم في المجتمعات المسلمة"، بوصفها إطاراً مرجعياً يوجّه أنشطته النظرية والتجريبية والتنظيمية.
وتمثل هذه المبادرة ثمرة أكثر من خمسة وثلاثين عاماً من العمل الفكري والبحثي، وتجسّد انتقالاً نحو البحث التطبيقي وتوسيع نطاق إنتاج المعرفة وتداولها، بما يعزز حضور المعهد في النقاشات المتعلقة بإصلاح التعليم وتكامل المعرفة.
ويتطلب إصلاح التعليم، بمفهومه الشامل، تضافر الجهود لتحسين الأنظمة التعليمية وتعزيز القيادة والسياسات التربوية.
كما يستلزم تخطيطاً طويل الأمد ومرونة في الإعداد والتصميم، إلى جانب إشراك مختلف الأطراف المعنية للتأثير في السياسات والمناهج والممارسات التعليمية.
وانطلاقاً من إدراكها لحجم التحديات التي تفرضها أي أجندة إصلاحية، تنظر المبادرة إلى التعليم بوصفه منصة لمعالجة الواقع القائم وسياقاته الجيوسياسية الأوسع، واستكشاف السبل التي يمكن من خلالها للتعليم أن يسهم في ترسيخ القيم وتمكين الأفراد والجماعات من اكتسابها وتجسيدها في مسارات التنمية الشخصية.
لا يُنظر للأمل على أنه قيمة فحسب، بل بوصفه مفهوماً بحثياً يشكل أحد المرتكزات الأساسية للبحوث التجريبية التي تتبناها المبادرة، ويسهم في توجيه مساراتها المستقبلية.
ويرى المؤلفون أن المبادرة تسعى إلى إثراء الفكر التربوي الأصيل والملائم ثقافياً.
ففي المجتمعات الإسلامية المعاصرة، حيث يحتل الدين مكانة محورية في الحياة العامة، تبرز الحاجة إلى تبني نهج شامل يراعي الخصوصيات الثقافية والدينية.
فعلى سبيل المثال، تمثل الدراسات الإسلامية مادة أساسية ضمن المناهج الدراسية، سواء أُدرجت كمقرر مستقل أو كجزء متكامل من المنهج، بما يعكس أهميتها في العملية التعليمية ومكانتها لدى المجتمعات المحلية.
ويأتي هذا الكتاب ليسهم في الحوار الدائر حول أفضل السبل لإعداد الشباب في المجتمعات المسلمة لمتطلبات القرن الحادي والعشرين، من خلال عرض نماذج لمبادرات تعليمية واعدة تتميز بأصالتها وتركيزها على إحداث التغيير.
يؤدي الكتاب دورا مهما في تعريف المعلمين وأولياء الأمور وصناع السياسات بالنهج الشامل لتطوير الإنسان في مختلف جوانب شخصيته، عبر تنمية العقل والروح معاً، وتعزيز ثقافة الأمل في بيئات التعليم والتعلم.
وتنبع أهمية هذا الكتاب من الأهداف التي تسعى مبادرة" الارتقاء بالتعليم في المجتمعات المسلمة" إلى تحقيقها، ومن أبرزها: " الإسهام في تطوير الخطاب الفكري المتعلق بالتكامل المعرفي، وربطه بالتخصصات الأكاديمية والأنظمة التعليمية في المجتمعات الإسلامية، من خلال تبني منظومة القيم القرآنية الكلية.
تقديم معرفة قائمة على الأدلة حول سبل الارتقاء بالتعليم في المجتمعات المسلمة، وتوسيع نطاق البحث لربط الإطار النظري للتكامل المعرفي بالتطبيقات والممارسات التربوية.
طرح توصيات وسياسات تعزز تعاون الحكومات، ومؤسسات المجتمع المدني، والجامعات، وسائر الأطراف المعنية في تطوير الأنظمة التعليمية، بما يخدم الإنسان ويسهم في بناء مجتمعات مزدهرة وقائمة على السلم والرخاء.
الدعوة إلى تبني نهج تنموي يتناسب مع احتياجات الشباب المسلم والمدارس والجامعات والعائلات والمجتمعات المسلمة بصورة عامة.
الإسهام في إعداد جيل جديد من المفكرين والمربين والأكاديميين المسلمين القادرين على قيادة المبادرات البحثية والتعليمية المرتبطة بمشروع الارتقاء بالتعليم.
وبلورة خطاب فكري عالمي حول مشروع التكامل المعرفي وقيمه القرآنية الكبرى بوصفه نموذجاً معرفياً وحضارياً".
وانطلاقاً من هذه الأهداف، يأتي هذا الكتاب استجابة للحاجة إلى إحداث تحول في الخطاب التربوي والتعليمي في المجتمعات المسلمة، بحيث ينتقل من التركيز على مواطن الضعف إلى استثمار مكامن القوة، مع مراعاة دمج خبرات الشباب السابقة ومعارفهم ومشاعرهم وإيمانهم في إطار متكامل.
كما أن الإفادة من التجارب الأصيلة والمبادرات المبتكرة المتجذرة في الواقع المحلي من شأنها أن تثري المعرفة التربوية، وتوفر رؤى جديدة للباحثين وصناع السياسات والمسؤولين الحكوميين وغيرهم من المهتمين بالشأن التعليمي.
وتتجلى أهمية هذا التوجه في ظل الاعتماد المتزايد على مؤشرات الأداء والتصنيفات الدولية بوصفها معياراً للحكم على جودة التعليم.
فغالباً ما تحتل الدول ذات الأغلبية المسلمة مراتب متأخرة في هذه التصنيفات، الأمر الذي يختزل عملية التعليم في نتائج الاختبارات والمؤشرات الكمية.
فعلى سبيل المثال، جاءت كل من الإمارات العربية المتحدة وقطر والمملكة العربية السعودية ضمن قائمة أفضل الدول في التعليم لعام 2019، إلا أنها احتلت المراتب الثالثة والعشرين والحادية والثلاثين والثانية والثلاثين على التوالي.
كما أن هذه الاختبارات تقدم صورة جزئية عن التحصيل التعليمي، لأنها تركز على الإنجاز الأكاديمي، ولا تقيس بالضرورة جوانب النمو الإنساني المتكامل.
ويضيف هذا الكتاب إلى رصيد متنامٍ من الدراسات المعنية بالبرامج التعليمية المبتكرة والبحوث المستمدة من سياقات متنوعة حول العالم.
فبينما تظل المؤلفات التي تتناول التعليم الإسلامي من منظور يجمع بين المصادر الإسلامية والنظرية والتطبيق محدودة نسبياً، يقدم هذا الكتاب معالجة معمقة للموضوع من زوايا تربوية متعددة، تتناول التعليم الإسلامي وسياقات التعليم والتعلم المختلفة، بدءاً من مرحلة الطفولة المبكرة وصولاً إلى التعليم العالي.
وخلص المؤلفان إلى أن الكتاب يستعرض مبادرات تعليمية مستوحاة من خبرات أكاديميين وممارسين محليين، ويدعو إلى توسيع دائرة الحوار والتفكير النقدي التعاوني حول مستقبل التعليم، بما يخدم الأجيال القادمة في مختلف أنحاء العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك