تنطلق كأس العالم 2026 من بلاد الأزتيك في لحظة يبدو فيها العالم مشتعلاً بالنزعات التوسّعية لدونالد ترامب.
رائحة السياسة لن تفارق المباريات.
فقبل أربعة أشهر، شنت الولايات المتحدة بشكل مفاجئ، إلى حدٍ ما، هجوماً مشتركاً مع إسرائيل على إيران.
أشعل الهجوم حرباً لا تزال نيرانها مستمرّة.
وعلى مدى الأشهر التي سبقت التحضيرات للمونديال، لم تتوقف رسائل ترامب إلى المنتخب الإيراني، فقد قال عن إيران إنها" حرّة في الحضور"، لكنه أضاف أيضاً أنه" لا يستطيع ضمان أمنها".
ثم شطح أبعد من هذا.
ولمّح إلى أن إيطاليا، التي فشلت في التأهّل إلى النهائيات ينبغي أن تحل محل إيران في البطولة.
تعيدنا تصرّفات ترامب إلى تاريخ العلاقة الوثيقة بين المونديال والجغرافيا السياسية، فقد استغل موسوليني مونديال إيطاليا عام 1934 ليعرض بشكل سافرٍ فاشيّته.
حينها خاطب الدكتاتور الإيطالي أعضاء المنتخب الإيطالي، قبيل المباراة النهائية، ويقال إنه أمامهم مرّر إبهامه على عنقه لهم: إما الفوز أو الموت.
وفي 1970، كانت المباراة الإقصائية بين السلفادور وهندوراس، التي أقيمت قبل عام من المونديال، أحد أسباب اندلاع حربٍ استمرت مائة ساعة بين البلدين.
والجميع يتذكّر" يد مارادونا الإلهية" التي ثأرت للأرجنتين في مونديال 1986، من هزيمة حرب المالويناس (الفوكلاند)، وهدفه التاريخي.
المهم أنَّ الاتحاد الإيراني لكرة القدم ردّ على ترامب بغضب.
وطالب الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بنقل مباريات المنتخب الإيراني إلى المكسيك أو كندا.
التفتت رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم إلى مبادرة الإيرانيين.
واتخذ جياني إنفانتينو قراراً بين بين مفاده بأن المنتخب الإيراني لن يقيم في توسان، إنما في مدينة تيخوانا المكسيكية.
وهناك يتدرّب اللاعبون ويبيتون على الجانب المكسيكي من الحدود.
ولن يكون عليهم أن يعبروا إلى الولايات المتحدة إلا في الأيام التي يلعبون فيها.
وسيعودون في الليلة نفسها.
قرارٌ يبدو أنه ناسب البعثة الإيرانية التي حين وصلت إلى المدينة المكسيكية الحدودية، استقبلها سكانها بلافتاتٍ كُتب عليها: " مرحباً بكم في تيخوانا أيها الفهود الإيرانيون".
من يعرف المكسيكيين لن يستغرب عنهم هذا، فكرة القدم بالنسبة لهم تعويضٌ عما عجزوا عنه سياسياً.
وقد عبّر عن هذا الكاتب المكسيكي خوان فيّورو حين قال: " الدولة التي كانت تسيطر علينا في كل شيء كانت بمثابة زبوننا، على الأقل، داخل الملعب".
تغيّر هذا الواقع وفقاً للكاتب المكسيكي.
على الأقل مع أواخر القرن العشرين.
وفيّورو لا يستطيع أن يفصل كرة القدم عن هنري كيسنجر.
فالرجل ألماني الأصل، الذي رسم السياسة الخارجية الأميركية سنواتٍ، كان يدرك أن كرة القدم ستكتسب أهمية كبيرة في الجغرافيا السياسية لبلاده بالتبنّي.
وبالفعل، تنظم نسخة هذه البطولة بين ثلاث دول: المكسيك، كندا، والولايات المتحدة.
تستضيف المكسيك 13 مباراةً فقط، وهو العدد نفسه الذي تستضيفه كندا.
مقابل 78 مباراةً في الولايات المتحدة.
ضمن هذا السياق، يقول الكاتب المكسيكي فيورو أن المكسيك، التي نظّمت بطولتين من أفضل بطولات كأس العالم، تبدو اليوم أشبه بالنادل الذي يقدم كوكتيلاً للترحيب بالضيوف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك