وأنت تقرأ العالم تجده متورطا في مغارة نفسيته، يحمل بداخله لغزا كبيرا وعميقا، لهذا يعيش البشر في حيرة من النفس البشرية.
النفس البشرية لغمٌ ملمسه ناعم، لكن بداخله شظايا مدببة تنتظر الانفجار لأي عارض عاطفي.
أنا لصيقٌ بعلم النفس منذ كان عمري 17 عاما، وإلى الآن أنقب في جحيم النفس، وأفتش في الكتب والنظريات والروايات لأفهم أكثر، لكني في الحقيقة أجد النفس البشرية أصعب من الإحاطة بكل مداخلها، كما قال الإمام علي (ع):وفيك انطوى العالم الأكبرُوتراكم القصص المتشعبة الصادمة للإنسان يعكس مدى حجم هذا الجحيم.
مثلا: يحبان بعضهما عن حب، ثم أحدهما يقتل الآخر ويوزعه في أكياس!99 في المئة من علاقات الحب تنتهي إلى كارثة عاطفية وشظايا مشاعر على أرصفة القلب.
الغني تقتله الوحدة، والفقير يموت ببطء؛ فقيرٌ آيلٌ للسقوط يتنفس لأجل النجاة لا لأجل الاستمتاع بالحياة.
قلةٌ من يعيشون الاطمئنان الداخلي بمن فيهم من يدعون التقوى، فهم يعيشون تعلقا مرضيا بالجماهير والناس، ينتعشون بخفق النعال ومدحهم لهم، ويموتون بكلمة نقد واحدة.
الإنسان البشري خليطٌ بين نرجسية فاقعة و “إيغو” منتفخ، وفي الوقت ذاته تجده مازوشيا يتلذذ بإيقاع الألم على ذاته من حبيبةٍ مصاصة دماء (زومبي)، كما هي علاقة نيتشه بسالومي.
نقطة التحول تكون عندما تتكشف الأمور.
هو نفسه نيتشه يقول: “بمجرد أن تستيقظ، ستستيقظ إلى الأبد”.
وأنا مررت بأربع صدمات وجودية قادتني لفهم المثل الأعلى، وفهم العلاقات البشرية، وفهم الوجود، وفهم القدر، فكانت نسختي هي هذه الموجودة الآن: تصالحٌ مع الذات في انفجار اللحظة، والتعامل بعبثية ألبير كامو، ووجودية سارتر، وفهم “ظل” كارل يونغ، و “البحث عن معنى” لفيكتور فرانكل، مع مرحلة التنوير لمستويات وعي هاوكينز، مع تأملات ماركوس أوريليوس، مع إنسانية الإمام علي (ع)، وعدم الرهان لا على حب البشر ولا بغضهم، ولا على البحث عن السعادة على أيديهم، وقانوني كما قال تشيخوف: “لا تقف متفرجا على حياتك.
انهض من على سريرك وابحث عن سعادتك”.
يقول دوستويفسكي: “المدرك لا يعود”.
وخلصتُ إلى أن النظريات الاجتماعية -من لوبون إلى إميل دوركايم إلى ماسلو إلخ- ترى أن المجتمعات تتغير وتنشطر على واقعها كما ينشطر الزئبق، فلا تراهن على العاطفة البشرية لأن الإنسان كائنٌ هرموني، مزاجي، براغماتي؛ لذلك عندي قاعدة: “صفر توقعات من البشر والقدر والحجر”.
وحتى رجال الدين خربوا العالم؛ مجموعةُ تجارٍ في أغلبهم، حولوا الدين إلى “سوبرماركت”.
أنت متهمٌ من البشر، والبشر متهمون لبعضهم، ولولا المجاملات لما استقر قلبٌ على قلب.
يقول الإمام علي (ع): “لو تكاشفتم لما تدافنتم”، بمعنى لو انكشفت قلوب بعضكم على بعض لما حضرتم جنائز بعضكم بعضا.
كما في رواية “المحاكمة” للكاتب كافكا، الإنسان متهمٌ ولا يعلم لماذا.
الوجود يتهمك، “الفضيلة” البشرية المزعومة تلاحقك بسوطها حتى لو كنت ملاكا، البشر يحاكمون ويقاتلون بعضهم على بقايا تمرة، كما قال نزار قباني في قصيدته “يا تونس الخضراء”:العالم على رغم الوفرة يقتل بعضه بعضا لأجل عين فتاة حسناء، أو لأجل نفوذ، أو زيادة رصيد إلخ، البشرية لم تتغير منذ آلاف السنين.
مثلا: ثورةٌ متخلفة تحكم على مغنية بـ73 جلدة لأنها غنت بلا حجاب! هل تتصور أنه لا يزال في العالم من يحكم بأحكام متخلفة كهذه؟جشع الإنسان يقوده لذبح البشرية وتخريب حتى الجمال.
كانت إيران تشبه سويسرا، فلما جاءت ولاية الفقيه حولتها إلى بنت عم الصومال.
وإيران -كما في نظرية ابن خلدون في مقدمته- تعاني “الشيخوخة السياسية”، بل تعاني شيخوخة سياسية واجتماعية واقتصادية، وكل ذلك هو بداية الانهيار.
عودا على بدء أقول: النفس البشرية صعبة، وعندما يتحول المرضى إلى أطباء هنا تكون الكارثة، سواء على مستوى إدارة مستشفى، أو مصنع، أو جمهورية.
تصور أفغانستان التي كانت حضارية في السبعينات يحكمها الآن طالبان!والإنسان يتألم بسبب نفسه وبسبب البشر والقدر، توجعه سكين القدر، ومذبح الغيب، وغدر الإنسان.
وعلى رغم كل هذه الفوضى، علماء النفس يسعون لتقليل ألم الإنسان، كلٌّ حسب المصباح الذي يحمله للكشف عن زاوية ألم.
ثمة رجال دخلوا النفس البشرية كما يدخل العاشقُ مدينة محروقة، كلّ واحدٍ منهم حمل مصباحا مختلفا، لكنّهم جميعا وقفوا أمام الهاوية ذاتها: لماذا يتألّم الإنسان؟ ولماذا يتحوّل الحب أحيانا إلى مقصلة، والوعي إلى سجن، والرغبة إلى حربٍ أهلية داخل الجسد؟ !أنا وصلت إلى نتيجة لكل هؤلاء العظماء: سيغموند فرويد هو الجرّاح الذي فتح الجسد النفسي، وكارل يونغ هو المستكشف الذي نزل إلى الكهوف الداخلية، أما إريك فروم فهو الناقد الذي شرح كيف اغترب الإنسان، أما العظيم فيودور دوستويفسكي فهو الإنسان الذي عاد من الجحيم ليكتب الإنسان.
سيغموند فرويد: جرّاح النفس.
كارل يونغ: رحّالة الأعماق.
إريك فروم: ناقد الاغتراب الإنساني.
فيودور دوستويفسكي: شاهد الجحيم الإنساني ومؤرخ الروح.
تصور، على رغم كلّ هؤلاء لا أحد يعلم ماذا يريد الإنسان، وماذا يخفي بداخله في قبر النفس البشرية وجحيمها.
وأكبر صدمة للنفس البشرية عندما تجد هذا الإنسان يعيش في سجنٍ، وقد بُرمج على أن السجن حرية، وأن الجحيم نعيم النعيم.
وحجم لعب الإنسان على الإنسان أن يقنعه أنه ليس في سجن، ويقول: “أهم شيء ألا يدري السجين أنه في سجن”.
وتجد السجناء كُثرا: مسجونٌ في سجن التاريخ، أو سجن الأفكار التقليدية، أو سجن الحب، أو سجن المنصب، أو سجن العقيدة، لأن العقل البشري يفضّل الجحيم المعروف على الفردوس المجهول.
في علم النفس العميق يمكن تسمية هذا “الحنين العصبي إلى القيد”، بحيث يرى هذا السجين جدران السجن طمأنينة، لشدة ما تماهى معه وأصبح جزءا من هويته.
*مستشار هيئة البحرين للثقافة والآثار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك