رغم أن التاريخ ينصت بإجلال لـ 26 ديسمبر 1910 كفجر شهد تأسيس “جمعية تجار البحرين” (غرفة تجارة وصناعة البحرين حاليًّا)، إلا أن تاريخ 26 يوليو 1939 يظل البداية الحقيقية للعصر المؤسسي المنظم للغرفة؛ حيث بدأ تدوين محاضر الجلسات رسمياً باللغة الإنجليزية في زمنٍ فرضت فيه المتغيرات الإقليمية إلى ضرورة وضع إطار مؤسسي للعمل التجاري.
وفي ذلك اليوم المشهود، عند الساعة الخامسة مساءً، تداعى تجار البحرين للاجتماع في مقر شركة “بي.
دورابجيس وأبنائه” استجابة لتعميم السكرتير السابق السيد م.
ر.
كارموستاجي لإعادة إحياء أنشطة جمعيتهم.
هناك، وبحضور قامات تجارية بارزة من العائلات البحرينية والجاليات الصديقة، تم انتخاب السيد “أشرف محمدي” بالإجماع رئيسًا للجنة الإدارية – اللجنة الإدارية هي البديل المعتمد لمجلس الإدارة آنذاك – بمشاركة السكرتير عبد الله مصطفى وأمين الصندوق محمد عبدالحسين صادق وعضوية برشوتام، محمد علي يتيم، س م أفيمي والا، لتبدأ الغرفة مسيرة تشريعية وتنظيمية رائدة عبر “نظام اللجان”.
البدايات: لجان فض النزاعات والمهمات الخاصةلم تكن اللجان في بدايات الغرفة ترفاً إدارياً، بل ولدت من رحم الحاجة لضبط الأسواق وحل الخلافات.
فكانت اللجنة الإدارية تلعب دوراً توفيقيًا وعُرفياً؛ حيث ألزم نظامها الأعضاء بإحالة أي نزاع تجاري إليها للتسوية قبل اللجوء للقضاء.
وفي 22 سبتمبر 1939، أُقرت “لجنة المكتبة” كأول لجنة فرعية متخصصة، ثم تلاها في أكتوبر من العام ذاته تشكيل لجنة فرعية من ثلاثة أعضاء (أشرف محمدي، حسين يتيم، وأفيميوالاه) للبت في خلاف تجاري حول قيمة “جهاز راديو” بين التاجرين ن.
مراد ودانس لي فريكامداس، في أول توثيق لآلية التحكيم التجاري.
وتوالت اللجان لتعالج قضايا السوق الملحة:فبراير 1950: تشكيل لجنة لتنظيم وأجور “الدلالين” برئاسة رجالات أعمال بارزين كالحاج أحمد يوسف فخرو والحاج عبدالله المحمد الزامل.
مارس 1950: لجنة لاستقطاب التجار غير المشتركين بالجمعية، ضمت التاجر راشد عبدالرحمن الزياني.
1950 - 1951: لجان مراجعة وصياغة القانون الأساسي للغرفة برئاسة الحاج عبدالرحمن القصيبي ثم الحاج خليل إبراهيم كانو.
يناير 1955: لجنة وطنية لتنظيم مقاطعة الهواتف للضغط على الشركة لمراجعة زيادة الأجور.
التحول التاريخي: 24 يونيو 1962 وولادة “اللجان القطاعية”مع اتساع السوق البحريني وتنوع روافده، ظهرت الحاجة للانتقال من اللجان الفردية المؤقتة إلى اللجان المتخصصة بحسب نوع التجارة.
ويمثل تاريخ 24 يونيو 1962 المنعطف الأبرز في تاريخ الغرفة، حيث أُعيد تشكيل وتسمية أعضاء “لجنة الشكاوى والتحكيم” (التي تأسست في فبراير 1961) لتتوزع إلى أربع مجموعات تخصصية، معلنةً البداية الرسمية لتأسيس اللجان القطاعية في البحرين:1.
قطاع الأطعمة: وتكونت من عبد الحسين حميدان، حسن حيدر درويش، وحسن علي كاظم بوشهري.
2.
قطاع الأقمشة: وضمت يوسف حسن الحسن، صالح جمشير، عبدالحسين العرادي.
3.
قطاع الأثاث: وضمت عبدالرحمن حسن تقي، ومحمد حسين حاج باقر.
4.
قطاع الأخشاب: وتكونت من يوسف بن يوسف فخرو، جلال المير، وعبد علي عيسى آل نوح.
هذا التأسيس شكّل النواة الصلبة التي بنى عليها مجلس الإدارة في دورته الثانية عشر (29 مارس 1965)، حيث توسع ليؤسس ثماني لجان فرعية، ست منها قطاعية متكاملة شملت الأقمشة، المواد الغذائية، الأثاث، الأجهزة الكهربائية والأدوات المنزلية، المعدات والكماليات، المواد الإنشائية.
بالتوازي مع لجان نوعية واكبت النهضة عمرانيًّا مثل “لجنة المعرض التجاري الزراعي 1962”، و”لجنة مشروع تأسيس فندق عصري”، ولجنة “دراسة الأوضاع الاقتصادية” عام 1965 التي شرّكت كفاءات من خارج مجلس الإدارة كتقي محمد البحارنة ومحمد عبدالله المناعي.
الألفية الجديدة: حوكمة اللجان وأتمتتهامع مطلع الألفية الثانية، وتحديداً في أكتوبر 2002 خلال الدورة الخامسة والعشرين لمجلس الإدارة، دخلت الغرفة عصر الحوكمة المؤسسية بتأسيس أول “إدارة لشؤون اللجان”، وكان لي الشرف أن أكون أول مدير لهذه الإدارة في تاريخ الغرفة.
ومن خلال موقعي، عملت على نقل خبراتي السابقة والمتعلقة بأعمال اللجان الخليجية في الأمانة العامة لاتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي، لنصيغ مع فريق عملٍ متميز من الشباب الجامعيين البحرينيين منهاجًا مكتوبًا يؤسس لحوكمة أعمالنا، مركّزين على التواصل المباشر مع الأعضاء ورصد تحدياتهم بالتعاون مع إدارة الدراسات الاقتصادية.
تميزت هذه المرحلة بطرح وتبني مبادرات استراتيجية نقلت اللجان من العمل التقليدي إلى الفضاء المؤسسي الحديث، ومن أبرزها:- مقترح أتمتة عمل اللجان: السعي نحو تحويل المراسلات، التوثيق، والتقارير إلى أنظمة رقمية متكاملة تضمن سرعة وكفاءة الأداء.
- إصدار دليل اللجان (2008): ليكون مرجعًا يحدد الأدوار بدقة بين اللجان الإدارية، القطاعية العامة، والفرعية المتخصصة.
- وضع إطار مؤسسي للعلاقات الحكومية وتنظيم الملتقيات: تفعيل الشراكة مع الوزارات عبر لجان مشتركة لتذليل العقبات، إلى جانب تنظيم ورش عمل تدريبية لتبادل الخبرات ورفع كفاءة موظفي الإدارة.
إن تاريخ اللجان في غرفة تجارة وصناعة البحرين هو مرآة لتطور الاقتصاد الوطني؛ فمن لجنة ثلاثية تبحث خلافًا على “جهاز راديو” عام 1939، إلى منظومة قطاعية متكاملة ومحوكمة تقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص، تؤكد الغرفة أن لجانها كانت – وستظل – المطبخ الحقيقي لصناعة القرار التجاري في المملكة.
*مدير أول سابق بغرفة تجارة وصناعة البحرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك