منذ عقود طويلة والشرق الأوسط يعيش على إيقاع الأزمات المتلاحقة.
فكلما خبت نار صراع، اشتعلت جبهة أخرى، وكلما بدأت دولة عربية تستعيد أنفاسها وتوجه جهودها نحو التنمية وإعادة البناء، وجدت نفسها أمام تحديات جديدة تعيدها إلى دوامة الاستنزاف.
حتى بات من حق المتابع أن يتساءل: هل أصبحت الحروب قدرًا محتومًا على هذه المنطقة، أم أن هناك من يرى في استمرارها ضرورة لحماية مصالحه وإدارة نفوذه؟الولايات المتحدة، باعتبارها القوة الأكثر حضورًا وتأثيرًا في المنطقة، لم تكن يومًا بعيدة عن رسم ملامح التوازنات الإقليمية.
فمنذ عقيدة الاحتواء إلى سياسة الفوضى الخلاقة، مرورًا بإدارة الصراعات بدلًا من حلها، ظلت واشنطن تنظر إلى الشرق الأوسط من زاوية المصالح الاستراتيجية، لا من زاوية استقرار شعوبه وحقها في التنمية.
واليوم، وفي ظل التصعيد المتسارع الذي تشهده المنطقة، تبرز تساؤلات جديدة حول الدور الأميركي، ولاسيما في عهد الرئيس دونالد ترامب، الذي عاد إلى البيت الأبيض حاملًا رؤية تقوم على إعادة تشكيل موازين القوى بما يحقق المصالح الأميركية أولًا.
وفي خضم هذه التحولات، ظهرت دعوات واقتراحات تتحدث عن إمكانية الاستعانة بالرئيس السوري أحمد الشرع وإقحام سوريا في مواجهة مع حزب الله، في مشهد يثير العديد من علامات الاستفهام حول جدوى فتح جبهات جديدة في منطقة أنهكتها الحروب.
إن إدخال سوريا، التي لم تكد تبدأ رحلة التعافي من سنوات طويلة من الدمار والانقسام، في صراع جديد، لا يبدو بالنسبة لكثير من المراقبين خطوة تخدم الشعب السوري أو استقرار المنطقة، بقدر ما يمثل امتدادًا لسياسة قديمة تقوم على توسيع دوائر النزاع وإشغال دول المنطقة بمعارك تستنزف مقدراتها البشرية والاقتصادية.
فالتاريخ يعلمنا أن القوى الكبرى لا تخوض حروبها دائمًا على أراضيها، بل تفضل في كثير من الأحيان إدارة صراعاتها بعيدًا عن حدودها، بينما تتحمل شعوب أخرى فاتورة الدم والدمار وتأخر التنمية.
وهكذا تتحول المنطقة العربية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية، فيما تتقدم أمم أخرى بالعلم والاقتصاد والتكنولوجيا.
ولعل السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس من سيربح الحرب المقبلة، بل: من سيبني المستقبل؟ فمن المؤسف أن المنطقة التي تمتلك ثروات هائلة وإمكانات بشرية كبيرة، لا تزال تجد نفسها رهينة لصراعات لا تنتهي، في وقت يتجه فيه العالم نحو الذكاء الاصطناعي والثورات الصناعية الجديدة.
إن استمرار منطق توسيع المواجهات وإقحام المزيد من الدول في أتون الصراعات لن ينتج شرقًا أوسط أكثر أمنًا، بل منطقة أكثر إنهاكًا وتشرذمًا.
أما الحكمة الحقيقية، فتتمثل في تحصين الدول العربية من مشاريع الاستنزاف، وتغليب التنمية على الصدام، وإدراك أن معركة القرن الحادي والعشرين ليست معركة الجبهات العسكرية بقدر ما هي معركة المعرفة والاقتصاد وصناعة المستقبل.
فالأوطان التي تُستنزف في الحروب لا تصنع الحضارة، والأمم التي تُشغلها الصراعات عن التنمية تبقى أسيرة الماضي، مهما تغيرت أسماء اللاعبين وتشابكت التحالفات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك