تعيش مدينة الأبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان جنوب وسط السودان، حالة من التوتر بسبب حشد مليشيا" الدعم السريع" قواتها حول المدينة واستهدافها بصورة شبه يومية عبر المسيّرات، الأمر الذي تسبب في أزمة معيشية خانقة وانقطاع الكهرباء وشحّ المياه وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية، بينما يتمركز الجيش السوداني داخل المدينة وخارجها ويشن غارات جوية على تجمّعات" الدعم السريع" حولها.
وفيما تطمئن حكومة الولاية المواطنين مؤكدة أن الأوضاع تحت السيطرة وتسير بصورة طبيعية داخل المدينة، يحذر عدد من الدول والمنظمات الدولية على رأسها الأمم المتحدة من هجوم وشيك لـ" الدعم السريع" على المدينة، مؤكدة أن تصاعد العنف في الأبيّض ومحيطها لا يزال يعرّض المدنيين لمخاطر متزايدة ويعطل الخدمات الأساسية.
وتكبر المخاوف من أن هجوم" الدعم السريع" على الأبيّض قد يشهد تكراراً للانتهاكات الخطيرة التي ارتكبتها تلك القوات خلال هجومها على مدينة الفاشر ومخيم زمزم للنازحين في ولاية شمال دارفور العام الماضي، وما تخلل ذلك من إعدامات ميدانية وحالات إخفاء قسري وغيرها من أعمال العنف ضد المدنيين، وسط تقارير حينها عن سقوط آلاف القتلى المدنيين على أيدي مقاتلي" الدعم"، في ظل استمرار الإفلات من العقاب بما يغذي دورات العنف المتواصلة في السودان.
تضم الأبيّض واحدة من أشهر وحدات الجيش، وهي الفرقة الخامسة التي تسمى" الهجانة"ومنذ اندلاع الصراع المسلح بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، ومليشيا" الدعم السريع" بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) في إبريل/نيسان 2023، شهدت الأبيّض، العديد من المعارك داخل وخارج المدينة التي تبعد حوالي 588 كيلومتراً جنوب غرب العاصمة الخرطوم، وتعد مركزاً اقتصادياً وسياسياً مهماً، باعتبارها واحدة من كبريات المدن السودانية وتضم أكبر سوق للمحاصيل النقدية في البلاد، وأيضاً أكبر بورصة للصمغ العربي في العالم، وهي مدينة استراتيجية وتسكنها قبائل متعددة من جميع أنحاء البلاد، إذ تمثل ملتقى طرق مهمة تربط بين مختلف الولايات باعتبارها مركزاً تجارياً وزراعياً بارزاً.
كما تضم الأبيّض التي يطلق عليها اسم" عروس الرمال" نسبة إلى بيئة الولاية الرملية، واحدة من أشهر وحدات الجيش، وهي الفرقة الخامسة التي تسمى" الهجانة"، وكانت عند تأسيسها عام 1896 تستخدم الهجن (الجمال).
وسبق لـ" الدعم السريع" استهداف المدينة بالقصف والحصار، قبل أن يتمكن الجيش من فك الحصار عنها في 23 فبراير/شباط 2025 وفتح الطرق بينها وبين عدد من الولايات الخاضعة لسيطرته.
وتسعى" الدعم السريع" للسيطرة على المقار والمواقع الاستراتيجية داخل المدينة وحولها، من بينها الطريق القومي الذي يمر بها ويربطها بالخرطوم، وكذلك جبل كردفان الذي يضم قاعدة عسكرية وموقعاً للتدريب، 20 كيلومتراً شرق المدينة، إضافة إلى عدد من المقار العسكرية والمدنية الحكومية والجبال المحيطة.
ويمكن لـ" الدعم" في حال السيطرة على المدينة أن تشكل تهديداً مباشراً على ولاية العاصمة الخرطوم من الناحية الغربية، وعلى ولايتي جنوب كردفان والنيل الأبيض من الناحيتين الجنوبية والشرقية، فيما يشن الجيش غارات جوية شبه يومية على تحركات وتجمعات" الدعم السريع" في مناطق مثل جبرة الشيخ، وأم سيالة، وأم قرفة، وبارا ومنطقة المزلقانات وغيرها من القرى التي تتمركز فيها مجموعات" الدعم السريع" في محاولة لتطويق المدينة.
وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوغاريك، خلال مؤتمر صحافي في نيويورك، أول من أمس الاثنين، إن هجمات بطائرات مسيّرة طاولت مواقع متعددة في مدينة الأبيّض في الأيام القليلة الماضية، وأفادت تقارير بإصابة محطة فرعية للكهرباء ومحطة للوقود، إلى جانب تسبّب الهجمات في توقف محطات المياه عن العمل، ما فاقم تعطيل وصول السكان الموجودين في الأبيّض إلى الخدمات الحيوية.
ونقل المتحدث الأممي عن مصادر محلية أن جسرين رئيسيين على الطريق الذي يربط بين شمال كردفان وجنوبها قد استهدفا بطائرات مسيّرة الأحد الماضي، ورغم ذلك، ذكر أن الشركاء في المجال الإنساني أفادوا بأن الحركة عبر هذا الممر لا تزال ممكنة.
كما كان المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك، قد حذر في بيان قبل أيام، من الهجوم على الأبيّض، ومن أن يؤدي إلى ارتكاب جرائم دولية خطيرة جديدة، مضيفاً: " سبق أن شهدنا هذا السيناريو ونعلم إلى أين أدى، ولا يمكننا السماح بتكرار الفظائع التي كان ممكناً تجنبها وقمنا بتوثيقها في الفاشر ومخيم زمزم للنازحين في شمال دارفور العام الماضي".
من جهتها، حذرت الولايات المتحدة من تحشيد" الدعم السريع" لقواتها حول الأبيّض، وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية توماس بيغوت، في بيان، الاثنين، إن الولايات المتحدة تشعر بقلق بالغ إزاء التقارير التي تفيد بأن" الدعم السريع" والقوات المتحالفة معها تحشد قواتها حول مدينة الأبيّض بطريقة تزيد بشكل كبير من خطر وقوع أعمال عنف ضد المدنيين، بما في ذلك شنّ هجمات على أهداف مدنية وتصعيد النزاع في مدينة الأبيّض وفي جميع أنحاء منطقة كردفان.
وأضاف بيغوت أن هناك مؤشرات مقلقة على أن فظائع جماعية قد تكون وشيكة، ما سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية الكارثية التي يعاني منها السودان بالفعل.
وطالب" الدعم السريع" والقوات المتحالفة معها بوقف أي أعمال من شأنها تعريض المدنيين للخطر، أو عرقلة المساعدة الإنسانية، أو المساهمة في ارتكاب المزيد من الفظائع وزيادة المعاناة، لافتاً إلى أنه يجب على الأطراف المتحاربة الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الإنساني الدولي من أجل حماية المدنيين وضمان أن يتمكن أولئك الذين يبحثون عن الأمان من الوصول إليه دون خوف أو عرقلة.
من جهتها، قالت حكومة ولاية شمال كردفان، في بيان عقب اجتماع لها، أول من أمس الاثنين، إن الحياة في مدينة الأبيّض تسير بصورة طبيعية، وندّدت في الوقت ذاته، باستهداف ما سمتها" المليشيا المتمردة" للأعيان المدنية والمرافق الخدمية التي تمسّ حياة المواطنين.
وفي بيان آخر، قال المتحدث باسم حكومة الولاية جماع المهدي، إن هجوماً شنّته" الدعم السريع" بالطائرات المسيرة استهدف مخيماً لإيواء النازحين في الأبيّض في انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي واستهداف مباشر للمدنيين والنازحين الأبرياء.
وأضاف أن الهجوم أسفر عن مقتل شخصين من النازحين وإصابة 17 آخرين بجروح متفاوتة من بينهم 9 أطفال، وتمّ إسعاف المصابين وتلقيهم الرعاية الطبية.
وفي هذا الصدد، قال أحد سكان المدينة، طالباً عدم ذكر اسمه، لـ" العربي الجديد"، إن الأوضاع أصبحت لا تطاق في الأبيّض بسبب الهجمات شبه اليومية للطائرات المسيّرة، إلى جانب الأزمة الخانقة في المواصلات الداخلية وتوقف عدد كبير من المخابز عن العمل بسبب انقطاع الكهرباء وانعدام الوقود وشح في مياه الشرب.
وأضاف أن الناس يقضون يومهم في طوابير المياه أمام الآبار القليلة العاملة، لافتاً إلى أن الطائرات المسيّرة أصبحت كابوساً يومياً بسبب تحليقها بصورة شبه يومية فوق سماء المدينة وقصفها بصورة عشوائية الأحياء السكنية ما تسبب في مقتل وإصابة عدد كبير من المواطنين.
وأشار إلى أنهم لا يعلمون ما يحدث خارج المدينة ويسمعون عن حشود لـ" الدعم السريع"، ما يثير قلقهم ومخاوفهم من اشتعال المعارك في أي وقت.
من جهتها، أكدت السيدة حنان، التي تقيم وسط المدينة، لـ" العربي الجديد"، أن الضغوط المعيشية تتزايد عليهم يوماً بعد يوم في ظل انقطاع الكهرباء والماء، وارتفاع الأسعار وانعدام الخبز والذي عند توفره تُباع ثلاث قطع منه بمبلغ ألف جنيه (الدولار يساوي حوالي 4 آلاف جنيه).
وأضافت أن المدينة ازدهرت خلال الفترة الماضية بعد فكّ الحصار عنها وعادت إليها الحياة مع توفر البضائع واستقرار الكهرباء، لكنها عادت الآن لتعاني من جديد مثل أيام الحصار الذي كانت تخضع له في السابق، مؤكدة أنهم صامدون وباقون في المدينة رغم الغارات الجوية التي تستهدف الأحياء السكنية والمناطق المدنية.
ضابط سابق في الجيش: الجيش منتشر بكثافة خارج المدينة وداخلها ويضرب طوقاً منيعاً حولهاوقال ضابط سابق في الجيش بالمدينة، لـ" العربي الجديد"، إن" الدعم السريع" تقود حملة ترهيب إعلامية ضخمة مثل تلك التي سبقت هجومها على مدينة الفاشر بشمال دارفور في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لافتاً إلى أن الجيش منتشر بكثافة خارج المدينة وخارجها ويضرب طوقاً منيعاً حولها، كما شنّ خلال الأيام الماضية غارات جوية استهدفت تحركات وتجمعات" الدعم السريع" والمليشيات التابعة لها في مناطق بارا، وأم سيالة، وأم بادر، وسودري، وأم خروع، ومنطقة أم زبد، وغيرها.
وأشار إلى أن قوة كبيرة لـ" الدعم السريع" تعرضت أيضاً قبل أسبوعين لتدمير كامل في منطقة جبل أبو سنون غرب الأبيّض بغارات جوية عنيفة نفذها الجيش.
وأكد الضابط السابق أن" الدعم السريع" تحاول إشغال الجيش بتهديد الأبيّض حتى لا يتقدم أكثر في شمال كردفان ويتوجه منها إلى معاقلها بدارفور، لافتاً إلى أن الأبيّض مدينة صعبة والأرض حولها مكشوفة وعبارة عن صحاري، كما أنها تعتبر مركزاً عسكرياً متقدماً وتضم عدداً ضخماً من القوات العسكرية، ومن الصعب على" الدعم السريع" حتى الاقتراب من أسوار المدينة، لذلك تلجأ إلى الهجمات بالطائرات المسيّرة مستهدفة الأعيان المدنية والبنية التحتية الخاصة بالخدمات للضغط على سكان المدينة وتأزيم الوضع داخلها.
وكانت شبكة أطباء السودان قالت في بيان يوم الجمعة الماضي، إن القصف الذي تنفذه" الدعم السريع" على مدينة الأبيّض طاول المحطة التحويلية للكهرباء ومحطات الوقود، ما تسبّب في خروج عدد من المرافق الطبية عن الخدمة وعلى رأسها مراكز غسل الكلى وأقسام الطوارئ، وأدى كذلك إلى توقف عدد من محطات المياه، ما فاقم من الأوضاع الإنسانية والمعاناة اليومية للمواطنين والنازحين.
وأضافت الشبكة أن الاستهداف المتكرر للبنية التحتية والخدمات الأساسية يمثل تهديداً مباشراً لحياة المدنيين ويزيد من معاناة أكثر من مليون مواطن ونازح في المدينة الذين يواجهون نقصاً في أبسط مقومات الحياة من مياه الشرب والخدمات الصحية والطاقة.
واعتبرت أن استمرار هذه الهجمات ينعكس بصورة خطيرة على قدرة المرافق الطبية على تقديم الرعاية للمرضى والمصابين.
ورأى المحلل السياسي صلاح مصطفى، في حديث لـ" العربي الجديد"، أن" الدعم السريع" اعتادت على استخدام استراتيجية حصار وتجويع وقصف المدن من أجل إخضاعها، وقد جرّبت ذلك بصورة أساسية مع مدينتي الفاشر بولاية شمال دارفور وبابنوسة في غرب كردفان، لكن الأمر يختلف بالنسبة لمدينة الأبيّض، والتي اعتبر أنها ليست معزولة عن بقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش وطرق الإمداد مفتوحة إليها، كما أنها ذات بيئة صحراوية قاسية ومن الصعب مهاجمتها برّياً دون خسائر كبيرة في صفوف القوة المهاجمة.
ولفت إلى أن الجيش يعلم قيمة المدينة الاستراتيجية والمكسب الذي ستحققه" الدعم السريع" في حال السيطرة عليها لذلك من غير المتوقع أن يتركها تسقط بهذه السهولة، وقد فشلت" الدعم" من قبل في السيطرة عليها عندما حاصرتها لأشهر عديدة في العام 2025.
صلاح مصطفى: الأبيّض ذات بيئة صحراوية قاسية وتصعب مهاجمتها برّياً دون خسائر كبيرة في صفوف القوة المهاجمةوأشار مصطفى في حديثه إلى أن" الدعم السريع" تخطط في ما يبدو لإلحاق أكبر قدر من الخسائر بالمدينة عبر هجمات الطائرات المسيّرة، وربما تحاول تحييد المطار العسكري التابع للمدينة والذي يشكل تهديداً لمعاقلها في دارفور لقرب المسافة واستخدامه نقطةَ انطلاق لمسيرات الجيش وطائراته المقاتلة.
وذكر أن الجيش شن خلال الفترة الأخيرة هجمات على مدينة نيالا التي تمثل معقلاً رئيسياً لـ" الدعم السريع" في جنوب دارفور، وعلى مدن الجنينة وزالجني، كما يمكنه عبر مطار الأبيّض الوصول بسرعة إلى جميع مناطق دارفور حتى الحدود الليبية التشادية، وهو ما يجعل" الدعم" في ما يبدو تركز على استهداف المدينة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك