قبل أيام قليلة من بدء العمل بالموازنة العامة الجديدة لمصر للعام المالي 2026/2027، تحول ملف الخبز المدعم إلى معركة سياسية وبرلمانية وشعبية مفتوحة، بعدما بدا أن خطة التحول من الدعم العيني لرغيف الخبز إلى الدعم النقدي، التي روجت لها الحكومة على مدار الأشهر الماضية، تواجه التباطؤ وربما التأجيل، في ظل غياب تصور تنفيذي نهائي، وتزايد المخاوف من انعكاساتها الاجتماعية على نحو 70 مليون مواطن يعتمدون على منظومة الخبز المدعم، المباع بـ20 قرشاً بدلاً من 150 قرشاً في السوق الحرة.
وعلى مدار اليومين الماضيين ارتفعت داخل أروقة مجلس النواب، أصوات نواب المعارضة الرافضة لإنهاء الدعم العيني قبل بناء منظومة نقدية واضحة ومضمونة، وانضم إليهم بعض نواب السلطة، بينما شهدت اجتماعات شعبة المخابز بالغرفة التجارية مع مسؤولي وزارة التموين حالة من الترقب بعد تأكيد أصحاب المخابز عدم تلقيهم أي تعليمات رسمية تتعلق بتغيير وزن الرغيف أو آليات تطبيق المنظومة الجديدة.
أصبح مصير الخبز المدعم، أحد أقدم وأكبر برامج الحماية الاجتماعية في مصر، معلقاً بين رغبة حكومية متسرعة في إعادة هيكلة منظومة الدعم التي تقول إنها تعاني تسرباً وفساداً يقدره وزير التموين بنحو 30 مليار جنيه سنوياً، أي نحو 600 مليون دولار، وبين ضغوط برلمانية وشعبية تخشى أن يتحول الدعم النقدي إلى بوابة لإنهاء تدريجي لدعم الخبز في ظل موجات الغلاء المتلاحقة.
وأكد النائب فريد البياضي خلال اجتماع اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، رفضه والحزب المصري الديمقراطي الذي يمثله مناقشة طلب الإحاطة الخاص بالدعم النقدي الذي تقدم به مساء الأحد في غياب وزير التموين والتجارة الداخلية.
قال البياضي في بيان للبرلمان" إذا كان ملف يمس حياة نحو 70 مليون مواطن، أي أكثر من نصف سكان مصر، لا يستوجب حضور الوزير بل ورئيس الوزراء إلى البرلمان، فمتى يحضرون؟ "، مشدداً على أن ملف الدعم لا يمثل قضية فنية يمكن التعامل معها بإجابات إدارية، وإنما قضية تمس الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي لملايين الأسر المصرية.
انتهت اللجنة باستدعاء وزير التموين لحضور اجتماع لاحق، خلال الأسبوع الجاري، بما يعكس اتجاهاً برلمانياً متزايداً نحو إبطاء مسار التحول إلى الدعم النقدي لحين الحصول على إجابات واضحة حول شكل المنظومة الجديدة وضماناتها.
بدوره أعلن النائب أحمد فرغلي رفضه التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي في الوقت الراهن، مؤكداً أن منظومة الدعم لا تحتمل أي قرارات متسرعة في ظل عدم اكتمال قواعد البيانات الخاصة بالمستحقين، نافياً ما يتردد عن حذف مواطنين بسبب عدم استكمال البيانات.
وأعلن الدكتور محمد فؤاد رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، أن الحزب لا يعارض مبدأ الدعم النقدي، لكنه يرفض الانتقال إليه دون وجود تصميم مؤسسي واضح وضمانات حقيقية للعدالة والكفاءة والاستدامة، منوهاً إلى أن التحول إلى الدعم النقدي" ليس مجرد تغيير في وسيلة صرف الدعم، بل إعادة تصميم كاملة لمنظومة الحماية الاجتماعية" مضيفاً في بيان مكتوب حصل" العربي الجديد" على نسخة منه أن" التطبيق السيئ أصبح للأسف سمة حكومية متكررة، ولذلك لا يجوز أن نكرر الأخطاء نفسها في برنامج يمس حياة ملايين المواطنين".
قال فؤاد: " كفاية تفكير بمنطق صناعة الفقر وإدارته.
المطلوب هو صناعة التمكين" وتحسين أوضاع المستفيدين من الدعم.
وفي الوقت الذي يتصاعد فيه الجدل السياسي، تؤكد شعبة المخابز بالغرفة التجارية أن المنظومة الجديدة لم تدخل بعد مرحلة التنفيذ.
وصرح خالد صبري، المتحدث الرسمي للشعبة العامة للمخابز بغرفة القاهرة التجارية، لـ" العربي الجديد" أن الحكومة انتقلت في تصريحاتها من الحديث عن تطبيق المنظومة على مستوى الجمهورية اعتباراً من الأول من يوليو، إلى طرح تطبيقها في محافظة بورسعيد، ثم الحديث عن آليات خصم مباشر تمهيدية، وهو ما يعكس استمرار دراسة السيناريوهات المختلفة وعدم الاستقرار على تصور نهائي.
وقال إن أصحاب المخابز المنتجة للخبز المدعم لم يتلقوا أي تعليمات رسمية تتعلق بتغيير وزن الرغيف أو تعديل آليات صرف الخبز، مضيفاً أن تحول نظام دعم الخبز إلى الدعم النقدي حدث جلل لا يتحمل من أصحاب المخابز ولا الحكومة أي أخطاء قد تسبب أزمة اجتماعية خطيرة، بما يتطلب التأني في سرعة التحول وضبط آليات التنفيذ.
أكد صبري أن وزارة التموين لم تحدد حتى الآن سعراً لرغيف الخبز ولا وزنه وفق المنظومة التي ترغب في تنفيذها بعد اسبوعين، مطالباً بأن تبدأ الحكومة البدء بضبط منظومة الدعم النقدي وتحديد تكلفة رغيف الخبز والاتفاق مع المنتجين على هامش الربح وسبل تعويضهم مالياً بصفة دورية يومياً، بما يضمن تدفق الإنتاج وعدم توقفه ولو لدقائق حتى لا تحدث أزمات في الإنتاج.
ووجه صبري أصحاب المخابز إلى سرعة تنشيط حساباتهم البنكية لتكون جاهزة لاستقبال فواتير الإصدار اليومي بقيمة أرغفة الخبز التي سيبيعونها وفقاً للنظام الرقمي، والتعامل مع قاعدة البيانات لشركات تحويل الأموال التي ستتولى إصدار بطاقة الدعم الرقمي للمواطنين والتي تديرها وزارة المالية بالتعاون مع جهات مالية وسيادية بالدولة.
وكان وزير التموين والتجارة الداخلية، الدكتور شريف فاروق، قد قال إن حجم الفساد في منظومة الخبز المدعم يبلغ نحو 30 مليار جنيه سنوياً، مؤكداً أن الهدف ليس تقليل الدعم، إنما ضمان وصوله إلى مستحقيه، مشيراً إلى أن نحو 60% من المخابز لا تلتزم بالوزن المقرر للرغيف البالغ 90 غراماً، وتقوم بإنتاج أرغفة يصل وزن بعضها إلى نحو 60 غراماً، وهو ما يعني ضياع جزء من الدعم وعدم وصوله إلى المواطنين.
وأكد الوزير استمرار تنقية البطاقات التموينية، موضحاً أن الوزارة حذفت نحو 850 ألف مواطن غير مستحق للدعم من أصحاب السيارات أو الأسر التي يدرس أبناؤها في مدارس أجنبية أو يمتلكون سجلات تجارية أو يقيمون في تجمعات سكنية مرتفعة المستوى.
وشدد على أن الوفرة الناتجة عن حذف غير المستحقين سيعاد ضخها في برامج دعم المواطنين.
وأثار حديث وزير التموين الذي كرره في أكثر من قناة تلفزيونية، عن إمكانية شراء المواطن أرغفة بأوزان مختلفة في إطار الدعم النقدي جدلاً واسعاً، خاصة بعد تداول تصور لرغيف بوزن 70 غراماً وسعر يبلغ 1.
5 جنيه، بدلاً من وزن 90 غراماً الحالي بسعر 20 قرشاً.
تشير بيانات رسمية، إلى أن وزن الرغيف كان يبلغ نحو 130 غراماً في عام 2014، قبل أن ينخفض إلى 110 غرامات، ثم إلى 90 غراماً في عام 2020، فيما ارتفع سعره في يونيو 2024 إلى 20 قرشاً للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة عقود.
يأتي الجدل حول مستقبل الخبز في وقت تكشف فيه أرقام الموازنة الجديدة عن ضغوط مالية هائلة.
وبحسب الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني، تبلغ مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية في موازنة 2026/2027 نحو 832.
3 مليار جنيه، لكنها تراجعت من 36.
9% من إجمالي المصروفات في موازنة 2012/2013 إلى نحو 16.
1% فقط في الموازنة الجديدة، مع انخفاض نصيب الفرد من دعم البطاقات التموينية الذي ظل ثابتاً منذ عام 2018 رغم ارتفاع التضخم وزيادة السكان وتراجع القوة الشرائية للجنيه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك