تسجل كتلة الأحزاب الديمقراطية في الجزائر (ذات الطابع اليساري) حضوراً في الانتخابات النيابية المقرر إجراؤها في الثاني من يوليو/تموز 2026، بعدما كانت غالبية أحزاب هذه الكتلة السياسية قد قاطعت انتخابات يونيو/حزيران 2021، في خضم الحراك الشعبي الذي كانت تشهده البلاد في تلك الفترة.
وتطمح هذه الأحزاب عبر الانتخابات الجزائرية إلى استئناف حضور التيار الديمقراطي في البرلمان، وتشكيل بديل ديمقراطي نيابي، ومناوأة السلطة والسياسات الحكومية عبر البرلمان.
وكان الصوت الديمقراطي في البرلمان الجزائري غاب تماماً خلال العهدة النيابية في السنوات الخمس الماضية.
وأدى خيار المقاطعة في الانتخابات الجزائرية في 2021 إلى غياب أحزاب ما يعرف بالبديل الديمقراطي، والتي تضم جبهة القوى الاشتراكية، وحزب العمال، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، والاتحاد من أجل التغيير والرقي، والحركة الديمقراطية الاجتماعية (الحزب الشيوعي سابقاً)، إضافة إلى حزب جيل جديد، عن المنبر النيابي، وتراجع حضورها السياسي والمجتمعي، مقارنة بقوى التيارات الأخرى، خاصة أن البرلمان كان يشكل ساحة مقاومة لحالة الإغلاق السياسي والإعلامي التي فرضتها السلطة.
عدد قوائم التيار الديمقراطي في الانتخابات الجزائريةوتظهر البيانات التي نشرتها السلطة المستقلة للانتخابات أنه لا يوجد أي حزب من بين قوى التيار الديمقراطي ضمن لائحة الأحزاب الستة التي قدمت أكبر عدد من القوائم (فوق 50 قائمة).
واللافت في هذا السياق أن مجموع ما قدمته قوى التيار الديمقراطي الخمس مجتمعة بلغ 73 قائمة من مجموع 793 قائمة متنافسة في هذه الانتخابات، وهو رقم ضعيف وذو دلالة سياسية.
وهذا العدد يعادل، أو حتى أقل، ما قدمه حزب بمفرده من التيار الوطني، مثل جبهة التحرير الوطني التي قدمت 74 قائمة، أو من التيار الإسلامي مثل حركة مجتمع السلم التي قدمت 70 قائمة.
واكتفت أكبر أحزاب الكتلة الديمقراطية، جبهة القوى الاشتراكية، بالمشاركة بـ23 قائمة في الانتخابات الجزائرية من مجموع الدوائر الانتخابية الـ77، وذلك على الرغم من مشاركة الحزب عبر سكرتيره الأول يوسف أوشيش في الانتخابات الرئاسية التي جرت في سبتمبر/ أيلول 2024، ما يعني أن الجبهة لم تستفد كما يجب من ديناميكية المشاركة في ذلك الاستحقاق الرئاسي.
وقدم حزب العمال 26 قائمة، فيما قدم حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وهو الأكثر راديكالية في معارضة السلطة، سبع قوائم فقط.
وقدم حزب جيل جديد 11 قائمة، والتحالف الجمهوري ست قوائم.
في المقابل، اختفى حزبان من الكتلة الديمقراطية من الساحة السياسية، هما الاتحاد من أجل التغيير والترقي الذي كانت تقوده زبيدة عسول، إذ عجز عن تقديم قائمة واحدة في الدوائر الانتخابية الـ77، والحركة الديمقراطية الاجتماعية التي كان يقودها فتحي غراس، وهي الحركة التي قررت السلطات حلها وتجميد نشاطها السياسي بقرار قضائي في فبراير/شباط 2023.
لماذا تعاني الكتلة الديمقراطية في الانتخابات الجزائرية؟تؤكد هذه المعطيات أن الكتلة الديمقراطية تعاني عجزاً في التعبئة والتجنيد في الولايات، وهذا يعني أنها تواجه منافسة كبيرة في الانتخابات قد تُصعب من إمكانية تحقيقها نتائج مفاجئة.
ويعتقد مراقبون أن الخيارات السابقة للتيار الديمقراطي انعكست سلباً على حضوره السياسي والانتخابي، وأن غيابه عن الاستحقاقات النيابية السابقة ربما عرّض رصيده لمزيد من التآكل.
وقد فرض هذا الأمر على التيار إعادة بعض الوجوه السياسية القديمة إلى الساحة للمشاركة في الحملة الانتخابية لصالح اللوائح الديمقراطية، على غرار زعيمة حزب العمال لويزة حنون التي نزلت إلى الساحة بثقلها ورصيدها، والسكرتير السابق لجبهة القوى الاشتراكية أحمد جداعي.
أهمية عودة التيار الديمقراطي إلى الساحة السياسيةبالنسبة لعضو القيادة الوطنية للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية عثمان الصيد، فان التيار الديمقراطي ما زال قوياً من حيث الحضور المجتمعي بفعل قوة طروحه السياسية.
ويؤكد الصيد، لـ" العربي الجديد"، أن" التيار الديمقراطي واجه إكراهات كبيرة في المرحلة الماضية من قبل السلطة ومحاولات لتحجميه، وهذه الانتخابات ستكون محطة لعودة الكتلة الديمقراطية إلى البرلمان".
عثمان الصيد: هذه الانتخابات ستكون محطة لعودة الكتلة الديمقراطية إلى البرلمانويشدد على أنه" من الضروري عودة الصوت الديمقراطي للدفاع عن القضايا الحيوية كالحريات، وفي تقديم مبادرات نيابية مشتركة حول المسائل السياسية والمدنية التي تهم الجزائريين".
ويضيف: " من خلال التجمعات الانتخابية واللقاءات الحوارية في الشارع، ظهر أن المشروع الديمقراطي ما زال يحظى بالقبول لدى الناخبين.
وهذا أمر مشجع.
لكن يبقى أن هناك مخاوف قائمة من مسألة العزوف الانتخابي التي لا تخدم التيار الديمقراطي، ولذلك نسعى الى طرح تصوراتنا السياسية، وفي الأثناء، إقناع الناخبين بالتصويت".
يركز قادة التيار الديمقراطي في مرافعاتهم السياسية، وخلال حملة الانتخابات الجزائرية التي ستتواصل حتى 28 يونيو الحالي، على قضايا التغيير السياسي والديمقراطية والحريات.
وطرح التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ميثاقاً انتخابياً يضم 10 نقاط تتعلق بإعادة تأسيس الديمقراطية، واستعادة الرقابة البرلمانية، وتحرير الانتخابات من الإدارة (نقل مسؤولية إدارة العملية الانتخابية من السلطة التنفيذية إلى هيئة مستقلة ومحايدة تماماً)، واستقلالية العدالة، والدفاع عن الحريات وحرية التعبير وحق التظاهر وإصلاح التعليم.
كما قدم حزب العمال وثيقة سياسية تتضمن 37 التزاماً، تتمحور حول الدفاع عن الحريات السياسية والنقابية وفتح المجال الإعلامي وفتح النقاش العام لتحصين الجزائر.
كما طرحت جبهة القوى الاشتراكية في 10 يونيو الحالي مشروعها السياسي لإعادة تأسيس" الجمهورية الثانية" وتكريس الحقوق السياسية والحريات وحق التنظم أساساً لذلك.
يوسف أوشيش: الحديث عن كتلة ديمقراطية بعينها بمعزل عن كل المشهد السياسي أمر لم يعد مطروحاًرغم ذلك، يرفض السكرتير الأول لجبهة القوى الاشتراكية يوسف أوشيش الاستسلام للتقسيم التقليدي للساحة السياسية في الجزائر.
ويعتبر أن الحديث عن كتلة ديمقراطية بعينها بمعزل عن كل المشهد السياسي أمر لم يعد مطروحاً.
ويقول لـ" العربي الجديد" إنه" لا يمكن حصر أنفسنا في طيف بعينه بإقصاء الآخرين.
نحن نرافع دائماً من أجل الإجماع والتوافق مع القوى الحية، بما في ذلك السلطة، وليس على مبدأ الإقصاء.
لا نريد بناء أقطاب على أساس الإقصاء أو على أساس أيديولوجي فكري معين يمكن أن يفاقم الفجوة بين الجزائريين أكثر من أن يلم شملهم.
لذا نحاول تقريب وجهات النظر وأن نكون في خندق واحد، خصوصاً في الأمور الجوهرية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك