" ليبانون ديبايت" ـ المحرر السياسيتتعدد المسارات التفاوضية وتتشابك المرجعيات الدولية والإقليمية المعنيّة بالملف اللبناني، فيما تنذر" الخلية الثلاثية" و" غرف العمليات الرباعية" و" الميكانيزم" بمزيد من التعقيدات الداخلية، ما يدفع نحو تحويل الأرض اللبنانية إلى مراكز نفوذ خارجية تقودها الولايات المتحدة الأميركية، وربما عودة" لبنان القديم" أو لبنان ما قبل قيام الدولة المركزية.
ويقود هذا التشابك لبنان إلى فوضى" تفاوضية"، كما يسميها الكاتب والمحلل السياسي علي حمادة، الذي يعتبر أن إنشاء خلية لفضّ النزاعات بين" حزب الله" وإسرائيل في لبنان، شكّل خطوة أدت عملياً إلى إعادة إدخال إيران إلى المعادلة اللبنانية بصورة رسمية وبرضى أميركي، بعدما أصبحت جزءاً من منظومة إدارة الإستقرار والأمن في البلاد، بينما في المقابل، ستنسحب إسرائيل من بعض المواقع التي لا تزال تحتلها في الجنوب كبادرة حسن نية تجاه واشنطن، لكنها ستحتفظ بمواقع أخرى لفترة طويلة، ما يعني استمرار واقع الإحتلال الجزئي واستمرار التوتر على الحدود الجنوبية.
ويقول حمادة لـ" ليبانون ديبايت" إن مشهد تقاسم النفوذ ينطلق تحت المظلة الأميركية، فإسرائيل ستبقى ممسكة بالجنوب عسكرياً وأمنياً، فيما يجري تشجيع سوريا أميركياً على لعب دور أكبر، بما يتيح لها الضغط على" الخاصرة الرخوة" للحزب في البقاع.
وسيؤدي هذا التوزع الجديد للأدوار إلى إعادة رسم خريطة النفوذ داخل لبنان، ويكشف حمادة أن الجنوب سيبقى ساحة مفتوحة للصراع الإيراني ـ الإسرائيلي، فيما سيخضع البقاع لضغوط متزايدة مرتبطة بالمعطى السوري، وستتأثر مناطق الشمال بصورة مباشرة بالتحولات الجارية في سوريا.
أما جبل لبنان، فيرى حمادة أنه سيتجه أكثر فأكثر إلى الإنكفاء على ذاته تحت عناوين الدولة ومؤسساتها ورئاسة الجمهورية واحترام القانون والجيش النظامي والإنتظام الضريبي، فيما تبقى مناطق أخرى خارج هذا الإطار أو" متفلتة".
وفي ما يتعلق بالدور الإيراني، يؤكد حمادة أن الحديث عن عودة نفوذ إيراني أحادي في لبنان لم يعد واقعياً، لأن إسرائيل لن تسمح مطلقاً بالعودة إلى المعادلة التي كانت قائمة قبل 7 تشرين الأول 2023، وهي مستعدة للذهاب إلى حرب شاملة إذا اقتضى الأمر لمنع تكريس لبنان مجدداً ساحة نفوذ إيرانية خالصة، وبالتالي، فإن أي عودة إلى" لبنان الإيراني" ستكون محكومة بتوازنات جديدة تفرضها إسرائيل والولايات المتحدة.
ويربط حمادة هذا المسار مباشرة بالتوجهات التي يعتمدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، معتبراً أن اهتمام الإدارة الأميركية الحالية بإيران يفوق اهتمامها بالعالم العربي، وأن مقاربتها تقوم على إدارة التوازنات مع طهران أكثر من السعي إلى مواجهتها أو الحد من نفوذها بصورة جذرية.
ومن هذا المنطلق، يتوقع حمادة أن يتحول لبنان إلى مساحة نفوذ مشتركة تتقاسمها قوى إقليمية عدة، بينها إيران وإسرائيل وسوريا، رغم أن دمشق لا تزال تعاني نقاط ضعف كبيرة على المستويات السياسية والإقتصادية والعسكرية.
ويرى أن هذه النتيجة تشكل امتداداً طبيعياً للتفاهمات التي يجري العمل عليها حالياً، ولا سيما تلك التي تناقش ضمن المسار التفاوضي القائم في سويسرا.
ويقر حمادة بأن ملف حصر السلاح يبدو اليوم أبعد من أي وقت مضى عن التحقق، فيما يصف ما يدور في العراق على مستوى سلاح الميليشيات بأنه" مسرحية"، نتيجة تراجع واشنطن عن الأهداف التي رفعتها خلال الحرب الأخيرة، وانتقالها من سياسة الضغط إلى سياسة إدارة التوازنات والتفاهمات.
وفي حسابات الربح والخسارة الداخلية، يؤكد حمادة أن الحزب لم يخرج منتصراً من المواجهة الأخيرة، لكن إسرائيل أيضاً لم تنهِ الحرب، فالإحتلال سيستمر لأجزاء من الجنوب، فيما ستبقى مناطق واسعة مدمرة من دون إعادة إعمار فعلية، ما يجعل عودة عدد كبير من الجنوبيين إلى قراهم أمراً بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.
وبناءً عليه، يتوقع حمادة أن يبقى الجنوب مرشحاً لأن يكون ساحة مواجهة مفتوحة بين إيران وإسرائيل، تهدأ أحياناً وتشتعل أحياناً أخرى، ضمن معادلة أمنية وسياسية جديدة قد تنتجها تفاهمات الرئيس دونالد ترامب إذا استمرت في الإتجاه الحالي.
ويكمن جوهر الأزمة، بحسب حمادة، في تعدد المسارات التفاوضية، فهناك مسار في سويسرا يركز على آليات فضّ النزاعات والتفاهمات الميدانية في لبنان، يقابله مسار سياسي وأمني في واشنطن، حتى أن الإدارة الأميركية، تشهد توزيعاً للمسؤوليات، حيث يتولى وزير الخارجية ماركو روبيو الإشراف على بعض المسارات السياسية، فيما يتابع ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير مسارات أخرى مرتبطة بالتفاهمات الإقليمية.
لكن تعدد المرجعيات والمسارات لا ينتج حلولاً بقدر ما ينتج مزيداً من الضبابية، ويقود تدريجياً إلى تكريس واقع تقاسم النفوذ داخل لبنان، إذ يتوقع حمادة أن يعود ساحةً لتصفية الحسابات الخارجية، بدلاً من أن يكون دولة قادرة على تقرير مصيرها بنفسها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك