التنهيدة هي الأبجدية التي تولد حين تعجز الحروف، واللغة التي تُكتب بما بين السطور لا فوقها.
ليست مجرد زفرة عابرة تُخلي الرئتين من الهواء، بل هي رسالة كونية مكثفة، وسردية غامضة تختزل في جوفها حكاياتٍ تعجز عن حملها قواميس الكلمات؛ فتأتي تارةً كأنين حنينٍ جارف، وتارةً كدعاءٍ سماوي صامت لم يجد بوابته إلى اللسان بعد.
وحين نسأل كيف نكتب التنهيدة، فإننا في الحقيقة نحفر في لُجّة المشاعر التي استعصت على البوح.
التنهيدة لا تُقيدها علامات ترقيم، ولا تحدها قوالب لغوية، بل يخطها الصدق المحض في تفاصيل الحياة.
وحين نتأمل وجوه الناس نجد أن لكل إنسان تنهيدته الخاصة.
فالأب يتنهد وهو يحمل هموم أسرته بصمت، والأم تتنهد وهي تراقب أبناءها يغادرون مراحل العمر الواحدة تلو الأخرى، والمسافر يتنهد شوقًا لوطن تركه خلفه، والشيخ يتنهد وهو يقلب صفحات عمره متسائلًا كيف مضت السنوات بهذه السرعة.
حتى الناجح أحيانًا يتنهد؛ لأن الوصول إلى القمم يكشف له حجم الطريق الذي قطعه وحجم ما دفعه من أثمانولعل أعظم ما في التنهيدة أنها اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى تراجمة، يفهمها قلب البدوي في فضاء الصحراء كما يستشعرها الغريب في زحام المدن.
إنها البرزخ الفاصل بين الصمت والكلام، واللحظة النادرة التي يتعانق فيها الضعف البشري بالقوة، لتتفوق ببلاغتها الفطرية على الخطب المنمقة، وتظل شاهدة على نقاء الروح في زمنٍ تيبست فيه الكلمات وفقدت بريقها.
وتتعدد ألوان هذا الزفير بتعدد مسارات التجربة الإنسانية؛ فهناك تنهيدة المنكسر الذي هدت أركانه الخسائر، وتنهيدة الصابر الذي طال به المسير، ومقابلها تنهيدة الفرح النقي التي تتنفسها الروح بعد النجاة من مضيق لتستقبل السكينة.
إنها ابنة الوعي بالذات، والوسيلة الأرقى للمصالحة الهادئة مع عواصف الواقع، وإعلان الاستسلام الرقيق لأقدارٍ لا نملك تغييرها بل نتقبلها بالرضا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك