في مشاهد الحروب، غالبًا ما تظهر النساء في قلب التداعيات الإنسانية للصراع: أمّ تبحث عن ابنها، نازحة تحمل ما تبقى من منزلها، طبيبة تواجه ضغط المستشفيات، أو ناشطة توثق ما لا يظهر في بيانات الجيوش.
لكن عند الانتقال إلى لحظة التفاوض، تتغيّر الصورة.
تتقدّم وفود الأطراف المسلحة، تُناقش ملفات السلاح والحدود والسلطة، بينما يبقى حضور النساء محدودًا أو مؤجلًا إلى مراحل لاحقة.
المسألة هنا لا تتعلق بصورة رمزية لامرأة داخل قاعة المفاوضات، بل بما تخسره عملية السلام نفسها.
فعندما تغيب الدبلوماسيات والخبيرات والوسيطات وممثلات المجتمعات المتضررة، تصبح التسويات أقرب إلى اتفاقات أمنية بين أطراف النزاع، وأبعد عن واقع الناس الذين يفترض أن يعيشوا نتائجها.
تبدأ معظم مفاوضات السلام من الأسئلة الأكثر إلحاحًا: كيف يتوقف القتال؟ من ينسحب؟ من يراقب وقف إطلاق النار؟ كيف توزع السلطة بعد الحرب؟هذه أسئلة أساسية، لكن السلام لا ينتهي عند لحظة صمت البنادق.
بعد ذلك تبدأ الأسئلة الأصعب: كيف يعود النازحون؟ كيف تعالج آثار الحرب؟ من يضمن التعليم والصحة؟ كيف تُحمى المجتمعات من عودة العنف؟غياب النساء عن طاولات التفاوض يجعل هذه القضايا أقل حضورًا، لا لأن النساء وحدهن معنيات بها، بل لأن تجارب الحرب ليست متشابهة، ومن يشارك في رسم المستقبل يحتاج إلى رؤية أوسع لما خلّفته الحرب داخل البيوت والمجتمعات.
فالسلام الذي يُصاغ من الأعلى فقط قد يوقف المعارك، لكنه قد يفشل في ترميم ما تهدم في الحياة اليومية.
الدبلوماسية خارج القاعات الرسميةلا تختصر الدبلوماسية في لقاءات القادة والمبعوثين.
ففي مناطق النزاع، توجد أشكال أخرى من التفاوض: تأمين ممرات آمنة، مساعدة العائلات، البحث عن المفقودين، حماية المجتمعات المحلية، ومنع عودة التوتر.
في هذه المساحات، لعبت النساء أدوارًا واسعة عبر الوساطة المحلية، والعمل الإنساني، والدفاع عن المتضررين، والحفاظ على الروابط الاجتماعية في ظل انهيار الثقة.
لكن هذا الحضور لا يتحول دائمًا إلى مشاركة فعلية في القرارات الكبرى، إذ ما تزال طاولات التفاوض غالبًا مرتبطة بمنطق القوة: من يملك السلاح يملك موقعًا، ومن يملك النفوذ العسكري يتحدث باسم الآخرين.
لا يتعلق الأمر بإضافة ملف خاص بالنساء إلى أجندة السلام، بل بتوسيع تعريف الأمن نفسه.
فالأمن لا يعني فقط توقّف القصف، بل يعني أيضًا القدرة على العودة إلى المنزل، واستعادة الحقوق، والوصول إلى الخدمات، وضمان العدالة، وحماية الناجين، وإعادة بناء مؤسسات لا تعيد إنتاج الخوف.
كما أن مشاركة النساء تفتح النقاش أمام ملفات كثيرًا ما تؤجل: مصير المفقودين، التعويضات، العدالة الانتقالية، إعادة الإعمار، ومشاركة المجتمعات في مراقبة تنفيذ الاتفاقات.
هذه ليست قضايا هامشية، بل شروط أساسية لاستمرار السلام.
غياب النساء عن المفاوضات لا يترك فراغًا فقط، بل يعكس طبيعة السلطة التي ستنشأ بعد الحرب.
عندما تُرسم الترتيبات السياسية من دون مشاركة واسعة، تصبح الاتفاقات أكثر عرضة للانفصال عن المجتمع.
فالنساء اللواتي تحملن أعباء النزوح والرعاية والبحث عن المفقودين لسن مجرد مستفيدات من السلام، بل شريكات في صناعته.
السلام يحتاج إلى أصوات أكثرمشاركة النساء لا تضمن وحدها نجاح أي اتفاق، فالنزاعات معقدة ولا تُحل بمجرد تغيير تركيبة الوفود.
كما أن النساء لسن كتلة واحدة ولا يحملن موقفًا موحدًا.
لكن استبعادهن يعني خسارة مؤكدة: ضيق الرؤية.
فكلما ضاق عدد المشاركين في صناعة السلام، ضاقت الحلول نفسها.
وكلما اقترب الاتفاق من حياة الناس اليومية، زادت فرص بقائه.
السلام ليس وثيقة تُوقّع وتنتهي، بل عملية تبدأ بعد التوقيع.
وعندما تغيب النساء عن غرفة القرار، لا يخسرن مقعدًا فقط، بل يخسر السلام جزءًا من قدرته على أن يرى ويسمع ويستمر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك