لم يكتفِ الجيش الإسرائيلي بطرد سكان مخيم جنين وتدميره وتغير معالمه الجغرافية والديموغرافية، لكن جرافاته تعمل على إقامة معسكر فوق قطعة أرض مرتفعة مجاورة للمخيم، في أول خطوة من نوعها منذ إعادة انتشاره في الضفة الغربية قبل 30 سنة وتأسيس السلطة الفلسطينية.
وبعد أكثر من سنة ونصف السنة على اقتحامه مخيم جنين وطرد سكانه، والتمركز بداخله، بدأ الجيش الإسرائيلي بإقامة معسكر دائم له في حي الجابريات بقلب مدينة جنين.
ويشرف المعسكر على المخيم وعلى مدينة جنين كلها في منطقة استراتيجية توفر للجيش الإسرائيلي موقعاً يتحكم بأنحاء المدينة وقراها المجاورة التي بدأت تشهد عودةً للاستيطان.
ومع أن مساحة المعسكر لا تتجاوز الـ7 دونمات (7 آلاف متر مربع)، لكنه يرسخ وجوداً دائماً للجيش الإسرائيلي في قلب المدينة، ما يُشكل انتهاكاً لاتفاقيات أوسلو.
ومنذ مطلع عام 2025 يتواجد الجيش الإسرائيلي في داخل مخيم جنين، ويمنع عودة سكانه البالغ عددهم 20 ألفاً، إليه.
واستولى الجيش الإسرائيلي على قطعة الأرض تلك من الفلسطيني منصور قبها، بحجة استخدامها لـ" أغراض عسكرية"، على رغم أنه يحتفظ بأوراق ثبوتية بملكيتها.
وأبدى قبها خشيته من تهجيره من منزله مع آخرين يقيمون قرب المعسكر الجديد، حيث قام الجيش الإسرائيلي بطرد سكان منزلَين في محيطه.
ويرفض الجيش الإسرائيلي الإنسحاب من مخيم جنين ومخيمَي" طولكرم" و" نور شمس" اللذين طُرد سكانهما منهما.
وبحسب وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس فإن الجيش الإسرائيلي" لن ينسحب من المخيمات في شمال الضفة، والتي يجري إخلاؤها من السكان".
وتوعّد كاتس باقتحام مخيمات أخرى في الضفة الغربية" إذا دعت الحاجة"، مشيراً إلى أن" مفهومنا أمني واضح وحاسم.
فنحن نعمل على مواجهة التهديدات القريبة والبعيدة، ونسعى جاهدين لاتخاذ قرارات حاسمة بدلاً من المساومة والتنازلات".
ووفق كاتس فإن" هذه السياسة تأتي في إطار الدروس المستخلصة" من هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023".
ولا يقتصر الأمر على إقامة المعسكر في مدينة جنين لكن إسرائيل أقامت وتعمل على إقامة خمسة معسكرات أخرى في المنطقة، بالتزامن مع عودة الاستيطان إلى جنين إثر تعديل" قانون فك الارتباط".
وقبل 20 سنة فككت إسرائيل 4 مستوطنات في شمال الضفة الغربية ضمن خطة الانسحاب من قطاع غزة.
لكن الحكومة الإسرائيلية الحالية عدّلت قانون فك الارتباط، للسماح بالعودة إلى تلك المستوطنات، وهي" صانور، وحومش، وجانيم، وكديم".
" نحتفل بتصحيح تاريخي لعملية الطرد غير القانونية"، قال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش خلال الاحتقال بالعودة إلى مستوطنة صانور، مضيفاً" نحن نلغي عار الانفصال، وندفن فكرة الدولة الفلسطينية".
واعتبر رئيس بلدية جنين محمد جرار أن إقامة المعسكر في قلب مدينة جنين" سابقة خطيرة، ومؤشر خطير على توجهات حكومة الاحتلال، وانقلاب على الاتفاقيات مع فلسطين".
وبحسب جرار فإن" المعسكر يؤسس لواقع جديد في المدينة، وهو مؤشر على بقاء دائم لقوات الاحتلال في قلب المدينة".
وحذر جرار من" الأضرار الناتجة من إقامة المعسكر، والتي تهدد المخطط التنظيمي لمدينة جنين وأمنها استقرارها"، مضيفاً أنه ستكون" هناك آثار كارثية على أحياء المدينة".
وأضاف أن المعسكر سيؤدي إلى" تغييرات ديموغرافية في المدينة حيث يعيش أكثر من 90 ألف فلسطيني".
ويرى الباحث السياسي سليمان بشارات أن إسرائيل تستهدف من وراء إقامة المعسكرات في جنين إلى" تفكيك البنى الديموغرافية والجغرافية للفلسطينيين في شمال الضفة الغربية".
ويضيف أن" الاحتلال الإسرائيلي يعيد بنيته العسكرية داخل الضفة الغربية إلى ما كانت عليه قبل توقيع اتفاقية أوسلو، لكن بمنهجية مختلفة هذه المرة".
وتقوم تلك المنهجية وفق بشارات على" التواجد في مناطق حيوية في الضفة الغربية وحتى في قلب المدن، لكن من دون تحمّل مسؤولية رعاية شؤون الفلسطينيين الصحية والتعليمية".
وربط بشارات بين" إقامة تلك المعسكرات وعودة المستوطنات إلى جنين من جديد بعد 20 سنة على إخلائها".
تغيير في العقيدة العسكرية الإسرائيليةواعتبر الباحث في الشؤون الإسرائيلية نزار نزّال أن" عودة إقامة المعسكرات في محيط جنين وفي قلبها يشير إلى تغيير في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، ويستهدف عزل المناطق عن بعضها، كما يحصل في مدينة الخليل".
تأتي تلك العقيدة مع توجه إسرائيل بحسب نزّال إلى" حسم الصراع بدل إدارته، وهندسة الجغرافية والديموغرافية الفلسطينية".
وربط نزّال بين ذلك وبين إلغاء مشروع فك الارتباط وعودة الاستيطان إلى جنين، حيث أن" القاعدة العسكرية في قلب جنين تُشرف على المنطقة كلها.
وخلال احتلاله مدينة جنين قبل 30 سنة كان الجيش الإسرائيلي يتواجد في مقر المقاطعة في وسط المدينة الواقعة في منطقة ساقطة أمنياً على عكس المعسكر الجديد في حي الجابريات".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك