كان بين الموسيقي الفرنسي من أصل إيطالي جان باتيست لوللي، وزميله الألماني كريستوف فيليبالد غلوك 100 سنة، تجعل الأول سلفاً للثاني ناهيك بأن المكانة الفنية التي تفصل بينهما كان ينبغي أن تكون لمصلحة الأول الذي تبنته فرنسا في عهد لويس الرابع عشر الذي عرف ازدهاراً فنياً كبيراً.
ومن هنا، من الناحية المبدئية، إذا كان كل منهما، في زمنه، قد أقدم على تلحين نفس النص المأخوذ من الشاعر اللاتيني تاسو، " آرميد" على شكل أوبرا، يفترض مبدئياً أن تكون النتيجة لمصلحة الثاني المعتبر عادة سلفاً كبيراً لموتزارت في فن التلحين الأوبرالي على الأقل.
لكن الأمور لم تكن كذلك، لأن أي حكم منطقي يقارن بين العملين الأوبراليين، عمل لوللي (1686) وعمل غلوك (1777)، ومن دون أن يقلل من شأن العمل الثاني، يتعين أن يرجح كفة الفرنسي - الإيطالي، على كفة الألماني.
ولكن ليس، بالطبع لوهن ما في النتيجة الإبداعية التي توصل إليها هذا الأخير، بل لعملية" النصب" التي قام بها، ويبدو أنها راقت لما يسمى حينها" الجمهور العريض" ففضل" آرميد" الألمانية على أختها الفرنسية لمجرد أنها أبسط وأسهل بل تضم ألحانا معروفة سلفاً بالنسبة إلى ذلك الجمهور وما عليه أن يبذل جهداً لاستيعابها، على عكس الحال مع النتيجة التي أسفر عنها تلحين جان باتيست لوللي (1632 - 1687) للنص نفسه.
ولكيلا يبدو ما نقوله هنا أشبه بألغاز الكلمات المتقاطعة، لا مفر من أن نحكي الحكاية منطلقين ليس من العمل الأقدم كما يفرض المنطق علينا، بل انطلاقاً من العمل الأكثر جدة بين العملين، أي من أوبرا غلوك الذي كان قبل العمل عليها قد أنتج تحفاً أوبرالية مدهشة، لكنه لسبب ما، يصعب إدراكه، حين وصل إلى" آرميد" تراجع وراح" يكرر" نفسه، وغالباً بالمعنى الحرفي للكلمة.
وتبدأ الحكاية في عام 1775 يوم قرر غلوك ومن دون مقدمات أن يقدم لجمهوره ولأركان الحياة الموسيقية في باريس حيث كان يقيم، برهاناً على مقدراته الفنية وشطارته.
وكان مناسبة ذلك عرض جاءه بتلحين نص الفصول الخمسة الذي تتألف منها دراما" آرميد" التي كانت إحدى إنجازات تاسو المتعلقة بالحروب الصليبية، وبخاصة بالمعارك التي دارت من حول حصار مدينة القدس.
ومن المعروف أن النص كان ذا شعبية كبيرة ومضمون النجاح.
وهكذا استند الموسيقي، ليس إلى عمل لوللي السابق على نفس النص الدرامي، بل على نص غنائي جديد حضره له الفرنسي فيليب كينو انطلاقاً من نص تاسو.
وهو نفس النص الذي كان لوللي قد موسقه في واحدة من أقوى أوبراته قبل ذلك بقرن من الزمن تحديداً.
ولكن غلوك، إذ اتخذ قراره منذ البداية بأن يكون في تنفيذه ذلك العمل حديثاً ومجدداً يلجأ إلى كل ما هو مضاف في زمنه إلى العناصر التي باتت تكون الفن الأوبرالي، رأى أن يوصل التحدي إلى مستوى بالغ الغرابة، هو المستوى الذي سيجعل النقاد يحكمون على" آرميد" التي طلعت من بين يديه، بأنها تكاد تكون الأوبرا الأكثر غرابة في زمنه.
لماذا؟ بكل بساطة لأنه آثر ألا تحمل أي.
جديد! آثر أن تكون لعبة التجديد فيها قائمة على استلهام موسيقاه القديمة نفسها في لعبة" تذاكي" يقيناً أنها كانت هي ما أثار إعجاب الجمهور الذي سرعان ما وجد نفسه يفضل هذه الأوبرا على ما كان قد ترسخ من كلاسيكية لأوبرا لوللي نفسها.
صحيح أن غلوك قد اتبع بكل أمانة نفس النص الشاعري الذي كتبه كينو انطلاقاً من تاسو.
أي أنه وبكل بساطة، سار على خطى لوللي مع بعض التغييرات الطفيفة، بيد أن تلك التغييرات لم تكن هي ما راق للجمهور.
فما راق هذا الأخير كان كما أشرنا، في مكان آخر، حتى وإن كان في مقدورنا أن نقول بأن بعض التغييرات التي أجراها في الموضوع نفسه، على رغم معرفته بأنه وفي الوقت نفسه، يخرق التاريخ المفترض للأحداث، كما يخرق تفسيرات تاسو لها، بعض تلك التغييرات غيرت كثيراً من محتوى الحكاية، غير أن هذا لا يهم عادة في الأعمال الأوبرالية كما نعرف.
ففي هذه الأعمال تكون الموسيقى والغناء هي الأساس وهنا كانت لعبة غلوك.
فهو في نسخته من" آرميد" لم يستخدم في معظم الأحيان والفصول سوى موسيقى من تأليفه إما كان قد استعملها في أعمال سابقة له، وإما أنه كان قد كتبها لأعمال لم ينفذها أبدا فاحتفظ بالجمل الموسيقية مسرباً بعضها بين الحين والآخر، لتصل إلى مسامع جمهوره ثم ها هو الآن خلال اشتغاله على أوبراه" الجديدة" يعود إليها ليضمها معاً في بوتقة واحدة.
ولعل في وسعنا هنا أن نتوقف عند بعض تلك الاستخدامات.
فعلى سبيل المثال أتت الافتتاحية والأغنية الأولى التي تتلوها مستقاة من أوبرا لغلوك قديمة هي" تيليماك في جزيرة سيرسي".
أما الأغنية الأولى التي تؤديها شخصية هيداووت فمستعارة من أوبرا" تيتيدي"، كذلك فإن النداء الذي يطلقه آرميد في الفصل التالي موجهاً نحو الشخصية المركزية" لاهين" فسبق له أن استخدم موسيقاها مرتين، مرة في أوبرا" لارزاس"، وثانية في أوبرا" البراءة الموثوقة".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وعدا عن تلك الاستعارات الواضحة وغير الملتبسة، يمكننا على مجرى الفصول الخمسة، وربما بالاستناد هنا إلى مؤرخي موسيقى غلوك أنفسهم، العثور على استعارات متتابعة من أعمال أخرى له مثل مغناة وأوبرا" باريد وإيلينا"، ومغناة" السكير"، وباليه" دون جوان"، وأعمال له أقل شهرة مثل" إيبوليتو" و" القاضي المخدوع" - وهي مغناة استشراقية من غريب أمرها أنها منسية تماماً على رغم ما يؤكد البعض من أن موتسارت قد استلهمها في تلحين" خطف في السرايا".
غير أن هذا موضوع آخر بالطبع.
فالمهم هنا هو معرفة كيف طلع ذلك الخليط العجائبي بين يدي ذلك الموسيقي الماهر.
لقد كانت النتيجة مدهشة إذ إنه، وهذا باعتراف حتى الذين من بين مؤرخيه هاجموه لذلك الأسلوب" المنحط" في" الضحك على الجمهور"، كان من المهارة في خلطه لذلك المزيج الموسيقي بحيث طلع بين يديه مندمجاً اندماجاً رائعاً.
في نهاية الأمر بدا العمل كله ذا وحدة إبداعية لا مثيل لها.
وهكذا، عدا عن أن غلوك قدم هنا نوعاً من إيجاز لأبرز ما لحن في تاريخه الفني حتى ذلك الحين، قدم عملاً متكاملاً تلقاه الجمهور بإعجاب شديد تلقف شخص يلتقي معارف قدامى له وقد راح يتعرف عليهم واحداً بعد الآخر متعجباً كيف أنهم لا يزالون في عمر الصبا بينما تقدم العمر به من ناحيته.
وعلى ذلك النحو فاز غلوك في لعبة التحدي وبخاصة أن العرض الأول للعمل كان في باريس وتحديداً في أكاديميتها الملكية في شهر سبتمبر (أيلول) من عام 1777 الذي أنجز فيه الموسيقي ذلك العمل الذي يعتبر بادي الغرابة في عالم الأوبرا، وربما كمنت غرابته في كونه كله قائماً على السرقة، إنما السرقة الحلال، سرقة المبدع من نفسه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك