ويبرز السؤال المركزي الذي يحكم مسار هذه المفاوضات: من يملأ الفراغ في المناطق التي قد تنسحب منها إسرائيل، وهل يمتلك لبنان الإرادة السياسية اللازمة لتمكين مؤسساته الشرعية من بسط سلطتها الكاملة؟اهتمام أميركي متصاعد بلبنانيرى الخبير العسكري والاستراتيجي يعرب صخر أن لبنان دخل خلال الفترة الأخيرة دائرة الاهتمام الأميركي المباشر، ولا سيما في أعقاب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
ويعتبر أن هذا الاهتمام لم يأتِ من فراغ، بل ارتبط بتحول طرأ على أداء الدولة اللبنانية الرسمية بعد فترة امتدت نحو عام ونصف لم تشهد، بحسب توصيفه، خطوات عملية لترسيخ السيادة والشرعية أو تطبيق مبدأ احتكار الدولة للقوة وحصرية السلاح.
ويشير صخر إلى أن نقطة التحول جاءت عندما انخرط لبنان في تداعيات المواجهة التي اندلعت إثر دخول حزب الله على خط المعركة دعماً لإيران ومشاغلة لإسرائيل.
ووفق قراءته، دفعت هذه التطورات السلطة اللبنانية إلى اتخاذ ما وصفها بقرارات تاريخية، تمثلت في اعتبار الحزب محظوراً بأجنحته المالية والعسكرية والأمنية، مع إسقاط توصيف" المقاومة" عنه بعدما تبيّن، بحسب قوله، أن دوره بات مرتبطاً بمصالح طهران أكثر من ارتباطه بالمصلحة اللبنانية.
التفاوض المباشر ومظلة الرعاية الأميركيةيؤكد صخر أن إعلان رئيس الجمهورية اللبنانية الشروع في مسار تفاوض مباشر مع إسرائيل شكّل محطة أساسية تلقفتها الولايات المتحدة سريعاً، لتبني عليها سياسياً وتتولى رعاية العملية التفاوضية.
ويصف الانخراط الأميركي بأنه متعمد ومبني على اعتبارات استراتيجية وجيوسياسية متعددة، لافتاً إلى أن حجم الاهتمام الأميركي يتجسد أيضاً في إنشاء ما يقول إنها أكبر سفارة أميركية في الشرق الأوسط بمنطقة عوكر اللبنانية.
ويربط ذلك بالموقع الجغرافي للبنان المطل على البحر المتوسط، وبكونه نافذة نحو الشرق ونقطة وصل بين الشرق والغرب، بما يحمله ذلك من أبعاد سياسية وجيوسياسية تتجاوز الحدود اللبنانية.
ازدواجية أميركية تثير التساؤلاتورغم هذا الانخراط، يتوقف صخر عند ما يعتبره ازدواجية في الموقف الأميركي.
فمن جهة، تؤكد واشنطن، وفق ما ينقل، أن الملف اللبناني منفصل عن الملف الإيراني وأن لبنان يتفاوض باسمه ومن أجل مصالحه الخاصة.
ومن جهة أخرى، يشير إلى مشاركة الولايات المتحدة في مسارات تفاوضية تضم إيران وأطرافاً أخرى لمتابعة ترتيبات وقف إطلاق النار أو مراقبته.
وبحسب تقديره، يطرح هذا الواقع تساؤلات حول وجود مسارين متوازيين في التعاطي الأميركي مع الملف اللبناني، أحدهما مباشر بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، والآخر يتقاطع مع الملف الإيراني في ساحات تفاوض أخرى.
إيران ومحاولة الاحتفاظ بالورقة اللبنانيةوفي قراءته لخلفيات المشهد، يرى صخر أن إيران تحاول من خلال ما تبقى لها من نفوذ عبر حزب الله الحفاظ على لبنان كورقة ضغط يمكن استخدامها للتأثير في مسار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية.
ويعتبر أن الهدف من ذلك يتمثل في عرقلة التفاوض المباشر بين بيروت وتل أبيب، بما يسمح لطهران، عبر الحزب، بأن تبقى حاضرة بصورة غير مباشرة في أي تفاوض مع الولايات المتحدة.
غير أنه يشدد، في المقابل، على أن الأزمة الأساسية تقع على عاتق الدولة اللبنانية نفسها، التي تأخرت، بحسب رأيه، في معالجة أزماتها الداخلية، ما جعلها اليوم أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على تنفيذ ما أعلنته من قرارات.
الجيش قادر.
والقرار السياسي هو التحديوعند الحديث عن قدرة الجيش اللبناني على تولي المسؤولية جنوباً، يؤكد صخر أن المؤسسة العسكرية تملك الإمكانات المهنية والعسكرية والتقنية اللازمة للقيام بالمهمة منذ سريان الترتيبات القائمة اعتباراً من 27 نوفمبر 2024.
لكنه يلفت إلى أن المعضلة لا تكمن في القدرات العسكرية، بل في توافر قرار سياسي واضح وجريء وحاسم يواكب أداء الجيش ويمنحه الغطاء اللازم لتنفيذ المهام المطلوبة.
ويرى صخر أن أي تراخٍ سياسي ستكون له انعكاسات مباشرة على فعالية العمل العسكري والأمني.
اختبار الدولة الأخير جنوباًيصف صخر المرحلة الحالية بأنها منطقة اختبار أخيرة للدولة اللبنانية وأجهزتها الأمنية.
فجوهر الطرح المطروح على طاولة المفاوضات يقوم على انسحاب إسرائيل من مناطق محددة يجري الاتفاق عليها، مقابل انتشار الجيش اللبناني فيها وملء الفراغ الناشئ عنها.
ويشدد على أن نجاح هذه الآلية يتوقف على قدرة الجيش والقوى الأمنية على إزالة جميع المظاهر غير الشرعية ومنع عودة حزب الله إلى تلك المناطق.
ويعتبر أن الدولة اللبنانية حسمت موقفها عندما قررت أن الحزب أصبح خارج إطار الشرعية والقانون، ما يجعل المرحلة المقبلة مرحلة تنفيذ لا مرحلة إعلان مواقف.
ويؤكد أن هذا المسار لا يرتبط برغبة إسرائيل أو الولايات المتحدة أو حتى القرارات الدولية فحسب، بل يستند، وفق قوله، إلى الدستور اللبناني والقرارات السيادية الصادرة عن المؤسسات الشرعية، والتي تفرض وجود سلاح شرعي واحد تحت سلطة الدولة.
ويخلص إلى أن نجاح لبنان في تطبيق هذا المبدأ من شأنه أن يعزز مكانته لدى المجتمعين الدولي والإقليمي ويمنحه مستوى أعلى من الاعتبار والثقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك