يشكو مواطنون عراقيون من أن الحصول على مكان قانوني لإيقاف السيارات أصبح مهمة شاقة في العديد من مناطق العاصمة بغداد، خصوصاً قرب الأسواق والمراكز الطبية والدوائر الرسمية.
ولا تتوافر مساحات كافية للوقوف، فيما تمتلئ ساحات الوقوف المخصصة للسيارات الموجودة سريعاً، أو تُفرض رسوم يراها كثيرون مرتفعة قياساً بمدة التوقف القصيرة، بينما تحاصرهم الغرامات المرورية في حال التوقف لدقائق معدودة أمام صيدلية أو مطعم أو عيادة طبية أو دائرة حكومية.
يقول ماهر سالم، وهو من أهالي بغداد، إنه تعرض أخيراً إلى غرامة مرورية بعد أن ركن سيارته لبضع دقائق قرب محل للمواد الغذائية، مبيناً لـ" العربي الجديد"، أن" المشكلة لا تكمن في رفضه الالتزام بالقانون، بل في غياب البدائل المناسبة، إذ أن البحث عن مكان مخصص للوقوف قد يستغرق وقتاً طويل جداً".
وأضاف أن" العديد من السائقين يجدون أنفسهم مضطرين إلى الاختيار بين إيقاف سياراتهم في أماكن بعيدة قد تعيق أعمالهم أو مراجعاتهم، وبين المجازفة بالتوقف المؤقت في أماكن غير مخصصة، ما يعرضهم للغرامات المرورية".
ولا تقتصر الشكاوى على المخالفات المرورية فحسب، إذ يتحدث مواطنون أيضاً عن انتشار ظاهرة استيفاء مبالغ مالية لقاء الوقوف في أرصفة أو ساحات عامة من قبل أشخاص لا يحملون أي صفة رسمية، مستفيدين من أزمة ساحات الوقوف التي تعاني منها المدينة.
ويرى الناشط الحقوقي حسن الجميلي، أن جزءاً كبيراً من المشكلة يرتبط بغياب التخطيط الحضري والخدمي القادر على مواكبة التوسع الكبير في أعداد السيارات داخل بغداد، مبيناً لـ" العربي الجديد"، أن" المواطنين ينبغي ألا يتحملوا وحدهم نتائج القصور في توفير الخدمات الأساسية، وأن كثيراً من السائقين أصبحوا ضحايا لواقع خدمي متعثر أكثر من كونهم متعمدين لمخالفة القوانين".
وأضاف أن" تطبيق القانون ضرورة لا يمكن الاعتراض عليها، لكن يجب أن يترافق مع توفير البدائل المناسبة، من خلال إنشاء مواقف كافية للسيارات قرب المناطق التجارية والطبية والخدمية، فضلاً عن تشديد الرقابة على ساحات الوقوف العشوائية التي تستغل حاجة المواطنين وتفرض رسوماً من دون ضوابط واضحة".
في المقابل، يؤكد ضباط في المديرية العامة للمرور، أن حملات تسجيل المخالفات تأتي ضمن واجباتهم القانونية للحفاظ على انسيابية الحركة المرورية ومنع الاختناقات التي تشهدها شوارع العاصمة بصورة يومية.
ويقول المقدم في مديرية مرور بغداد، قصي العزاوي، إن" الوقوف العشوائي يعد أحد أبرز أسباب الزحامات المرورية، خصوصاً في الشوارع التجارية والرئيسية، وأن التهاون في تطبيق الغرامات سيؤدي إلى تفاقم الأزمة بشكل أكبر".
ويشدد على أن" رجال المرور لا يمكنهم التغاضي عن المخالفات بحجة نقص ساحات الوقوف، لأن ذلك سيشجع المزيد من السائقين على إيقاف سياراتهم بصورة تعيق حركة السير"، مؤكداً أن" مسؤولية الالتزام بالقانون تقع على عاتق أصحاب المركبات أيضاً".
وأشار إلى أن" الغرامات المرورية أسهمت في الحد من بعض المظاهر السلبية المتعلقة بالوقوف العشوائي، وأن المشكلة لا يمكن حصرها بإجراءات المرور وحدها، بل تحتاج إلى تعاون بين الجهات الخدمية والتخطيطية والأمنية لمعالجة أسبابها الأساسية.
يجري ذلك في وقت تواجه فيه بغداد تحديات متراكمة تتعلق بالبنية التحتية والخدمات العامة، في ظل النمو المتسارع لأعداد المركبات خلال السنوات الأخيرة، وأن أعدادها تفوق بكثير قدرة العديد من المناطق على استيعابها، خصوصاً تلك التي أنشئت قبل عقود ولم تصمم لاستقبال هذا الحجم من الحركة المرورية.
كما أن العديد من الأسواق والمراكز الطبية والمؤسسات الحكومية تستقبل أعدادا كبيرة من المراجعين يومياً من دون توفير مساحات كافية لإيقاف المركبات، ما يدفع السائقين إلى البحث عن حلول مؤقتة غالباً ما تنتهي بمخالفات أو رسوم إضافية.
وتمثل أزمة ساحات الوقوف، جانباً من أزمة خدمية أوسع تعاني منها المدن العراقية، حيث أدى النمو السكاني والتوسع العمراني السريع إلى زيادة الضغط على الخدمات من دون أن يقابله تطوير موازٍ للبنى التحتية.
ويفتح اتساع الفجوة بين احتياجات المواطنين والخدمات المتاحة، المجال أمام أنماط مختلفة من الاستغلال، سواء عبر المرائب غير النظامية أو عبر فرض رسوم غير قانونية على الوقوف في أماكن عامة، فيما يبقى المواطن الطرف الأكثر تحملاً للكلفة.
وبينما تؤكد الجهات الرسمية استمرار خططها لإنشاء ساحات وقوف جديدة، تبقى مشكلة المواطنين غير مرتبطة بالمخالفات أو الغرامات بحد ذاتها، بل بشعور متزايد بأنهم يدفعون ثمن نقص الخدمات أكثر مما يدفعون ثمن مخالفة قواعد المرور، في مدينة تتسع فيها أعداد السيارات بوتيرة أسرع من توسع الحلول المخصصة لها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك