لم تنتظر البحرين يوماً أن يُكتب تاريخها على أعمدة الصحف الدعائية، ولم تحتج إلى إذن من أحد لتُثبت وجودها على خريطة الأمم.
فالأوطان الحقيقية لا تُبنى بالادعاءات، ولا تتزعزع بمقالات مأزومة يكتبها من يعيشون في ظل نظام يتلقى الضربات الواحدة تلو الأخرى، ويبحث في أوهام التاريخ عما يُسكت به أزماته الداخلية المتراكمة.
وإذا كان شريعتمداري وأمثاله يجدون في مزاعمهم البالية متنفساً لأحلام انتهى زمانها، فإن أبلغ رد يُسدى إليهم ليس في الجدل والنقاش، بل في صفحات التاريخ الموثق الذي يكذّب كل حرف كتبوه، وفي إرادة شعب أثبت مرات ومرات أنه يختار وطنه وقيادته باختيار حر لا وصاية لأحد عليه.
في عهد الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، وقبل أن تُبنى كثير من الدول التي تدّعي اليوم الوصاية على الآخرين، بايع أهل البحرين بكل قبائلهم وأطيافهم وطوائفهم حاكماً من اختيارهم، مُرسين بذلك أول لبنة في صرح الدولة البحرينية الحديثة.
لم تكن تلك بيعة إكراه أو فرض، بل كانت عقداً وطنياً خالصاً، أعلن فيه الشعب البحريني للتاريخ أن هذه الأرض قرار أهلها وحدهم، ولا مكان فيها لوصاية قادمة من وراء الخليج أو من أي جهة كانت.
تلك هي البداية التي يتجاهلها أصحاب المزاعم، لأن الاعتراف بها يُسقط روايتهم من جذورها، ويُثبت أن البحرين دولة بنتها إرادة أهلها قبل أن يولد من يدّعي الوصاية عليها.
وفي عام 1970م، حين أرسلت الأمم المتحدة بعثتها برئاسة الممثل الأممي فيتوريو غيجياردي، لم تكتفِ البعثة بمقابلة المسؤولين في قصورهم، بل جابت كامل أرجاء البحرين؛ قراها ومدنها وأسواقها، وأصغت إلى كل فرد يريد أن يُعبّر عن رأيه دون استثناء أو تمييز.
وفي الحادي عشر من مايو من العام ذاته، رُفع التقرير إلى مجلس الأمن الدولي حاملاً شهادة لا لبس فيها: الشعب البحريني يريد دولةً مستقلة ذات سيادة تامة، عربيةً في انتمائها وهويتها، لا تابعةً لأي كيان آخر مهما كان.
والأجمل في هذه الشهادة الدولية أن الممثل الأممي أشار صراحةً إلى غياب أي فتنة طائفية في البحرين، وأن زعماء السنة والشيعة أجمعوا معاً على موقف واحد لا تشقق فيه.
صادق مجلس الأمن على هذا التقرير بالإجماع، ليُسقط إلى الأبد كل مزاعم الوصاية، ويُغلق ملف الادعاءات الإيرانية بختم دولي لا يقبل الطعن ولا يحتمل الجدل.
وفي فبراير 2001م، وقف الشعب البحريني أمام صندوق الاقتراع ليُجدِّد عقده مع وطنه وقيادته في استفتاء شعبي مشهود أمام العالم.
أعطى 98.
4% من البحرينيين أصواتهم لميثاق العمل الوطني، في مشهد ديمقراطي لا يحتاج إلى تعليق أو تفسير.
لم يكن ذلك انصياعاً لأمر فوقي، ولا استجابةً لضغط خارجي، بل كان تعبيراً حراً نابعاً من قناعة راسخة بأن البحرين تستحق المضي قُدُماً في مسيرة بناء دولة المؤسسات والقانون والإصلاح.
تلك بيعة عصرية بامتياز، أثبتت أن التلاحم بين الحاكم والشعب ليس إرثاً جامداً يُستحضر في المناسبات، بل عقد حي يتجدد في كل مرحلة ويترسخ مع كل استحقاق، ويزداد رسوخاً كلما حاول أحد النيل منه.
أما البيعة الرابعة فهي تتشكل اليوم بصمت الأفعال لا بضجيج الكلام، حين تتسابق القبائل البحرينية الأصيلة والأسر الكريمة إلى تجديد عهدها وولائها لقيادتها الحكيمة، موقّعةً بأسمائها وبتواريخها رداً على كل من ظن أن البحرين أرض بلا أصحاب أو وطن بلا حرّاس.
فتلك التواقيع التي تتجمع من كل ربوع المملكة ليست مجرد حبر على ورق، بل هي إعلان وطني صادر من صميم المجتمع البحريني الأصيل، يقول بكل وضوح إن الانتماء لهذه الأرض وقيادتها يسبق كل انتماء، وإن الهوية البحرينية العربية المسلمة ليست محل نقاش أو مزايدة من أحد فليس أدلّ على بطلان الادعاءات الإيرانية من شعب يتسابق أبناؤه في تجديد بيعتهم دون أن يطلب منهم أحد، لأن الولاء الحقيقي لا يحتاج إلى إيعاز.
المتأمل في توقيت هذه المقالات الإيرانية المتكررة يكتشف قانوناً ثابتاً لا يخطئه منتبه: كلما ازداد الضغط الداخلي على النظام في طهران، كلما ارتفع صوت ادعاءاته في الخارج.
والبحرين بتطورها المتسارع واستقرارها المشهود وإصلاحاتها الجوهرية تُمثّل إزعاجاً حقيقياً لمن يحتاج نموذجاً من الفوضى ليُبرر سلطته ويُسوّغ تدخله في شؤون جيرانه.
لا يملك النظام الإيراني حجة تاريخية واحدة معترفاً بها دولياً تدعم مزاعمه في البحرين، فيلجأ بدلاً من ذلك إلى تحريف الوثائق وتزوير الروايات وتسييس الجغرافيا علّه يجد في الضجيج ما عجز عن إيجاده في الحجة.
غير أن الوثائق لا تكذب، والأمم المتحدة لا تُحرَّف، والشعب الذي جدّد بيعته أربع مرات عبر قرنين من الزمن لا يُزوَّر ولا يُستبدل.
البحرين لم تكن يوماً أرضاً في حاجة إلى من يُثبت وجودها، فتاريخها يتكلم بوضوح لا يحتمل التأويل، وبيعات شعبها تشهد بصدق لا يقبل الطعن، ووحدتها الوطنية بين جميع أطيافها ومذاهبها وأعراقها تُسكت كل مزعوم.
أربع بيعات كبرى تمتد من القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا، كل واحدة منها أقوى من كل المقالات التي كُتبت وستُكتب، لأنها لم تُكتب بالحبر فقط، بل نُقشت بالإرادة الشعبية الحرة وصُدِّقت بشهادات دولية لا طعن فيها ورُسِّخت بتواقيع أبناء هذه الأرض الكرام.
وللمأزومين في طهران ولمن يكتب على صفحات كيهان ما يُمليه عليه مرشده نقول بكل ثقة: أقلامكم المأزومة ستتكسر كما تكسرت أحلامكم ومسيراتكم وصواريخكم على شواطئ أرضنا الغالية، فالبحرين قيادةً وشعباً وتاريخاً، اختارت طريقها بإرادتها ومضت فيه بثقة وستُسلّمه لأجيالها القادمة شامخاً كما استلمته من أجدادها الكرام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك