ما بال هذا الزمان وقد استيقظ من نومه ذات صباح، فنفض عن كتفيه عباءة الرحمة، وتركها على قارعة الطريق نهبًا للغبار والعابرين؟وما بال القلوب التي كانت يومًا حدائق وارفة الظلال قد تحولت إلى أراضٍ عطشى، تشققت تربتها من فرط الجفاف، فلا يزورها مطر الود، ولا تنبت فيها زهرة من أزهار المودة؟لقد كانت الإنسانية في الأزمنة الخالية حمامة بيضاء تحلق فوق البيوت، تنثر السكينة على النوافذ، وتوقظ في النفوس أجمل ما فيها من عطف ورحمة.
ثم جاء يوم مجهول، حملت فيه جناحيها وارتحلت بعيدًا، كأنها ضاقت بما رأت من قسوة البشر، وتركت خلفها عالمًا يتيه في صحراء واسعة لا ظل فيها ولا ماء.
ومنذ أن هاجرت الحمائم، تبدلت الوجوه وإن تشابهت الملامح، وتغيرت المعاني وإن بقيت الكلمات على ألسنة أصحابها.
أصبح الناس يتقاربون كما تتقارب أمواج البحر عند الشاطئ، ثم لا يلبث كل موج أن يعود إلى وحدته.
وصارت الأرواح كالجزر المتناثرة في محيط هائل؛ ترى بعضها بعضًا، لكنها تعجز عن اللقاء.
وأصبح المرء يمشي بين الجموع كما يمشي غريب أضاع عنوانه في مدينة مزدحمة.
تلامسه الأكتاف من كل جانب، لكن قلبه يظل وحيدًا كفانوس معلق في آخر الطريق، لا يراه أحد.
العالم اليوم يشبه قصرًا عظيمًا تتلألأ ثرياته بالضوء، بينما تسكن البرودة جدرانه.
كل شيء يلمع فيه إلا المشاعر، وكل شيء يزداد اتساعًا إلا مساحة الرحمة في القلوب.
ازدادت الأبراج ارتفاعًا حتى نافست السحاب، غير أن كثيرًا من النفوس هبطت إلى دركات من الأنانية لم تبلغها من قبل.
وتقدمت وسائل الاتصال حتى صار الصوت يعبر القارات في لحظة، لكن القلوب عجزت عن عبور المسافة القصيرة بينها وبين بعضها البعض.
وصارت العلاقات كزهور من زجاج؛ تأسر العين بجمالها، فإذا اقتربت منها لم تجد عطرًا، ولم تشعر بحياة.
هي جميلة ما دامت بعيدة، فإذا اختبرتها اكتشفت أنها لا جذور لها في الأرض ولا نبض فيها.
أما المروءة، فقد أصبحت كفارس قديم ضل طريقه بين ضجيج الأسواق.
يمر فلا يعرفه أحد، ويستغيث فلا يسمعه أحد، كأن الزمان الذي كان يكرمه قد انقضى ورحل.
والرحمة، تلك الحمامة البيضاء التي كانت تحط على النوافذ، أفزعها صخب العالم وقسوته، فرفرفت بأجنحتها مبتعدة، تاركة خلفها قلوبًا أرهقها التعب، وأرواحًا تتلفت حولها بحثًا عن دفء ضائع.
وترى الوجوه تزدحم بالابتسامات كما تزدحم السماء بالنجوم، لكن كثيرًا من تلك الابتسامات لا يبعث دفئًا، ولا يضيء عتمة، ولا يجبر خاطرًا مكسورًا.
كأن الناس تعلموا فن إخفاء مشاعرهم حتى صار الحزن يرتدي أقنعة الفرح، وصارت الوحدة تتنكر في هيئة الضحك.
لقد استطاع الإنسان أن يروض الحديد، وأن يشق الجبال، وأن يرسل آلاته إلى أعماق البحار وأطراف السماء، لكنه ما زال يعجز عن ترويض أنانيته، وما زال يقف حائرًا أمام أبسط الفضائل وأعظمها شأنًا: الرحمة.
وما أخشاه على هذا العالم أن يأتي يوم تزدحم فيه الطرق بالبشر، وتخلو القلوب من الإنسان.
يوم تصبح فيه المصلحة لغةً وحيدة، والمنفعة ميزانًا تُوزن به العلاقات، ويغدو الصدق عملة نادرة كالجواهر المدفونة في أعماق الأرض.
ومع ذلك، فإن الفجر لا يموت مهما طال الليل.
فما زالت هناك أرواح تشبه الينابيع الصافية، كلما مر بها العطاش ارتووا.
وما زالت هناك قلوب كالأشجار المباركة، تقذف بالحجارة فتهدي الثمار، وتُجرح فتمنح الظل.
لهذا يبقى الأمل آخر الحمائم التي لم تهاجر بعد.
يبقى واقفًا على شرفة الزمن، يراقب الأفق البعيد، منتظرًا اليوم الذي تعود فيه الرحمة إلى موطنها القديم، وتعود فيه الإنسانية لتسكن القلوب كما كانت، فيسترد العالم قلبه الذي أضاعه بين زحام المصالح وضجيج الحياة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك