الرد على السؤال: «هل سنحتفل بذكرى ثورة 30 يونيو؟ ! » هو أن الثورة لم تكن من قبيل الرفاهية السياسية، ولا خياراً من بين خيارات أخرى متاحة آنذاك، وإنما كانت ضرورة وجودية.
إن مقارنة بسيطة بين ما كنا عليه لو استمر حكم الإخوان، وما نحن عليه الآن، تكفي لإدراك عظمة ما حدث، فلو استمر أولئك في الحكم، لكنا اليوم لا نتحدث عن معدلات التضخم أو غلاء الأسعار، بل عن فقدان أساسيات الحياة ذاتها.
كنا سنبحث عن حقوقنا الأساسية في التعليم والصحة وحرية المعتقد، عن حق المرأة في الوجود كمواطنة كاملة، عن حق الأقباط في ممارسة شعائرهم، عن حق المبدعين والمفكرين في التعبير.
نعم، نواجه اليوم تحديات اقتصادية جسيمة، ونعاني من أعباء معيشية تثقل كاهل المواطن البسيط، وهذه حقيقة لا ينكرها عاقل، ولكن علينا أن نضع هذه التحديات في سياقها الصحيح.
فالأعباء التي نواجهها اليوم هي ثمن إعادة بناء دولة كادت أن تنهار، هي تكلفة استعادة مؤسسات منهوبة، هي ضريبة تصحيح مسار كانت فيه البلاد تسير بسرعة نحو الهاوية.
وهي أيضاً نتيجة حتمية لتحولات اقتصادية وسياسية عالمية وإقليمية أثرت في كل دول المنطقة، وليس مصر وحدها، ومن يرى غير ذلك فهو إما مغرض أو مكابر، أو ينقصه حسن إدراك الأمور.
لقد شهدت المنطقة من حولنا نماذج عديدة لدول انهارت مؤسساتها تحت وطأة الفوضى والصراعات الأيديولوجية والإرهاب، وتحولت فيها مطالب الإصلاح إلى معارك من أجل البقاء.
أما مصر فقد نجحت، بفضل وعي شعبها وإرادته، في تجنب هذا المصير، واستطاعت أن تحافظ على تماسك مؤسساتها الوطنية وأن تواصل مسيرة البناء والتنمية رغم حجم التحديات الداخلية والخارجية.
ومسألة الاحتفال بذكرى الثورة لا ينبغي أن يفسرها أي عاقل على أنها احتفال بالجوع أو بالفقر، أو تسويقها كغطاء لتبرير أي تقصير، وإنما هي احتفال بالروح المصرية الأبية التي رفضت الخضوع، وبالإرادة الشعبية الوثابة التي صححت مسار التاريخ، إنها تذكيرٌ بأن هذه الأمة قادرة على تجاوز محنها حين تتحد كالجسد الواحد.
الاحتفال بثورتنا ليس استعراضاً للقوة أو ابتهاجاً بالماضي، لكنه تجديد للعهد والولاء لهذا الوطن، ولهذه الأرض التي نعيش عليها، وقد ضحى أكرم أبنائها بأرواحهم من أجلها، وهو استلهام للعزيمة التي دفعت الملايين إلى الشوارع والميادين في كل القرى والنجوع والأحياء في كل محافظات مصر في ذلك اليوم المشهود.
والمؤكد أن المواطن البسيط قد لا يجد في احتفاليات اليوم الواحد ما يخفف عنه أعباء معيشته، ولكن هذا لا يلغي ضرورة تذكيره بأنه لولا تلك اللحظة التاريخية، لما كان هناك مستقبل له ولأولاده يمكن الحديث عنه.
إنها رسالة للأجيال القادمة بأن الحرية والكرامة ليستا هبتين مجانيتين، بل ثمنهما الدماء والتضحيات، وأن الحفاظ عليهما يحتاج إلى يقظة دائمة يجددها الاحتال.
وأثبتت الأيام أن ثورة 30 يونيو لم تكن مجرد لحظة احتجاج عابرة، بل كانت نقطة تحول نحو بناء مؤسسات دولة حقيقية.
فبعد الثورة، شرعت مصر في مسار إصلاحي طموح، تضمن استعادة دور الجيش الوطني، وإعادة هيكلة الشرطة المدنية، وتطوير المنظومة القضائية، وإطلاق مشروعات قومية كبرى غيّرت وجه البلاد.
هذه الإنجازات، التي نراها اليوم في شبكة الطرق الجديدة، وحواضر المدن العمرانية، ومشروعات الطاقة العملاقة، هي ثمار تلك اللحظة التاريخية، وهي دليل على أن الثورة لم تكن غاية في حد ذاتها، بل كانت وسيلة لبناء دولة قوية قادرة على مواجهة تحديات العصر.
ومن حق كل مواطن أن يطالب بحياة كريمة ومستوى معيشة أفضل وفرص عمل أوسع وخدمات أكثر جودة، وكلها مطالب مشروعة تمثل جوهر أي عملية تنموية تسعى الدولة إلى تحقيقها.
لكن في الوقت نفسه، يجب ألا نفصل بين التحديات الراهنة وبين حقيقة ما أنجزته ثورة 30 يونيو، فلو لم تنتصر تلك الثورة، ولو استمر مشروع الجماعة الإرهابية في السيطرة على الدولة، ما كان الحديث اليوم يدور حول تحسين مستوى المعيشة أو تطوير الخدمات أو تعزيز فرص التنمية، وربما كنا نبحث عن أبسط الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الحياة الآمنة ذاتها، والحق في دولة مستقرة قادرة على حماية مواطنيها والحفاظ على وحدتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك