في تحول استراتيجي لافت، دخلت العلاقات الأمريكية-الإيرانية مرحلة جديدةبعد توقيع" مذكرة التفاهم" في 18 جوان 2026.
هذا الاتفاق، الذي جاء تتويجا لوساطة باكستانية-قطرية مكثفة، ينهي نظريا ثلاثة أشهر من المواجهات العسكرية المباشرة التي اندلعت في فيفري 2026، لكنه يفتح في الوقت ذاته بابا واسعا من التساؤلات حول مآل الاستقرار الهش في المنطقة في ظل الإصرار الصهيوني على استكمال مخطط العدوان والتوغل والتدمير الممنهج للبنان بجنوبه وعاصمته.
تستند المذكرة إلى" مقايضة كبرى" تهدف إلى استعادة الهدوء في منطقة الخليج وهي تقوم على الالتزام بإعادة فتح مضيق هرمز ووقف تعطيل الملاحة، وهو ما بدأ يظهر جليا في زيادة حركة السفن التجارية خلال الأيام الماضية.
في المقابل، منحت واشنطن إعفاءات واسعة من العقوبات لمدة 60 يوما، تسمح لإيران ببيع النفط والمنتجات البتروكيماوية، وهو شريان حياة حيوي لطهران في ظل الضغوط الاقتصادية المتفاقمة.
كما تم الاتفاق على إنشاء آليات لمتابعة التنفيذ، مع إرجاء الملفات الشائكة مثل البرنامج النووي والقدرات الصاروخية إلى مفاوضات لاحقة بعد انتهاء فترة الـ 60 يوما الاختبارية.
لكن في خضم ذلك ظل ملف لبنان هو نقطة الارتكاز والاحتراق اذ يمثل هذا الملف اليوم التحدي الأكبر لهذه المذكرة.
فقد أصرت طهران على إدراج بلد الأرز ضمن الاتفاق، واعتبرته خطا أحمر، في محاولة لتحويل الساحة اللبنانية من ساحة مواجهة إلى ساحة تهدئة مرتبطة بالمسار الإقليمي.
إذ أكد الممثل الإيراني في جنيف، علي بحريني، أن لبنان مشمول في الاتفاق، مشددا على أن أي هجوم إسرائيلي جديد يمثل خطا أحمر، ومحذرا من أن استمرار استهداف المدنيين-كما حدث في النبطية- سيضع عراقيل جدية أمام مسار التفاوض.
وفي الوقت الذي تروج فيه طهران لفتح مضيق هرمز دون رسوم كدليل على حسن نواياها، يظل الواقع الميداني في الجنوب اللبناني محكوما بمنطق التصعيد الصهيوني، حيث ترتكز طهران على مطالبة دولة الاحتلال بالانسحاب التام.
فالعدوان الصهيوني الأخير في النبطية يبرز بوضوح الفجوة بين الأروقة الدبلوماسية في سويسرا وبين تطورات الوضع على أرض الجنوب اللبناني، حيث لا تزال دولة الاحتلال متمسكة بمواصلة عدونها للحصول على هامش عسكري يبيح لها التحرك مثلما تشاء وكيفما تشاء في ربوع لبنان، بينما يصرّ" حزب الله" على مقاومة كل المخططات الصهيونية وإفشالها تماما كما فعل قبل سنوات مع فجر التحرير عام 2000.
على صعيد آخر، تظل قضية الأصول الإيرانية المجمدة (التي تُقدر بنحو 12 مليار دولار) جوهر الخلاف الإجرائي، فبينما تسعى واشنطن لفرض قيود على أوجه الإنفاق، ترفض إيران أي وصاية وتعتبرها حقوقا سيادية.
هذا السجال لا يعكس أزمة مالية فحسب، بل يعبر عن أزمة ثقة عميقةـ حيث يخشى الطرفان من" استغلال" التسهيلات الاقتصادية لإعادة تموضع الخصم عسكريا.
انطلاقا من ذلك تبدو هذه المذكرة أقرب إلى" إدارة للأزمة".
يعتمد نجاحها على مدى قدرة واشنطن على كبح جماح الجرائم الإسرائيلية في لبنان، وقدرة طهران على فرض شروطها على طاولة التفاوض كما في الميدان.
كما ستكون المفاوضات القادمة حول البرنامج النووي هي" لحظة الحقيقة"، فإذا فشلت الأطراف في وضع تسوية، فإن العودة إلى مربع الحرب ستكون مرجحة جدا.
وبموازاة ذلك، يواجه الرئيس ترامب ضغوطا داخلية من الصقور في الكونغرس، في حين تجد القيادة الإيرانية نفسها أمام ضغوطات اقتصادية، وكلاهما يحتاج إلى" نصر تكتيكي" يبرر هذا المسار الدبلوماسي أمام جماهيرهما.
ويبدو ان مذكرة التفاهم تضع المنطقة في حالة" ترقب مسلح".
ولئن كان الطرفان يميلان إلى تهدئة تكتيكية لتجنب الانهيار الشامل، يظل الخوف من" خطأ حسابي" في الميدان هو العائق الأكبر.
لذلك فإن الـ 60 يوما القادمة هي" فترة اختبار" سيقرر خلالها الطرفان ما إذا كانا يتجهان نحو تسوية تاريخية أم إلى جولة ثانية من الصراع تكون أشد ضراوة.
ومع كل هذه التطورات وعلى ضفاف هرمز وأرض جنوب لبنان يُرسم مستقبل الشرق الأوسط برمته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك