إيلاف - المغرب يعزز ريادته في صناعة السيارات الذكية روسيا اليوم - الأردن يسجل انخفاضا في العجز التجاري بنسبة 13.4% خلال الثلث الأول من 2026 قناة الغد - عاصفة القيظ تطفئ غرب فرنسا.. انقطاع الكهرباء عن عشرات آلاف المنازل العربية نت - مقتل مراسل العربية محمد عيضة بانفجار استهدف سيارته في المكلا قناة القاهرة الإخبارية - مصر تقود مشاورات إقليمية مهمة.. القاهرة تجمع الرباعي الإقليمي لبحث الاستقرار في الشرق الأوسط| من مصر التلفزيون العربي - أميركا تمضي في مبيعات محركات طائرات لتركيا.. كم تبلغ قيمة الصفقة؟ قناة الجزيرة مباشر - نافذة من إيران | هل يكون "التفتيش النووي" عقدة المفاوضات الجديدة؟ وكالة الأناضول - توتنهام الإنجليزي يضم الحارس السلوفاكي مارتن دوبرافكا القدس العربي - فرقاطات المليارات تغرق قبل الإبحار.. لماذا أوقفت ألمانيا أكبر مشروع بحري في تاريخها؟ الجزيرة نت - مباشر مباراة المغرب ضد هايتي في كأس العالم 2026
عامة

«أحلام القعيد سليم»

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

يحمل عنوان رواية نافذ الرفاعي «أحلام القعيد سليم» كثافة دلالية تتجاوز وظيفته التعريفية ليغدو مفتاحا لقراءة النص بأكمله. فالعنوان، بألفاظه الثلاثة: الأحلام، والقعيد، وسليم، يختزل المسار السردي للرواية ...

يحمل عنوان رواية نافذ الرفاعي «أحلام القعيد سليم» كثافة دلالية تتجاوز وظيفته التعريفية ليغدو مفتاحا لقراءة النص بأكمله.

فالعنوان، بألفاظه الثلاثة: الأحلام، والقعيد، وسليم، يختزل المسار السردي للرواية وما تنطوي عليه من أبعاد إنسانية ووطنية، ويستدعي منذ البداية جدلية الإرادة والعجز، والأمل والمعاناة، بوصفها مكونات أساسية في التجربة الفلسطينية.

تقدم الرواية حكاية تتجاوز مصير فرد بعينه لتلامس سيرة شعب بأكمله، منذ النكبة وحتى الزمن الراهن، حيث تتجسد معاني الصمود في مواجهة سلسلة متواصلة من العقبات والتحديات.

وفي هذا السياق، تبدو الأحلام التي يحملها البطل أحلاما بسيطة ومشروعة، لكنها تتحول بفعل الواقع القاسي إلى مشروع كفاح طويل يتطلب الإصرار والمثابرة.

وقد اختار الرفاعي أن يمنح بطله اسم «سليم»، في إحالة إلى تقليد عربي قديم يطلق فيه هذا الاسم على المريض أو المصاب تفاؤلا بالشفاء.

غير أن المفارقة هنا تكمن في أن الشخصية تحمل إعاقة دائمة، لكنها ترفض الاستسلام لها، لتجعل من محدوديتها الجسدية نقطة انطلاق نحو تجاوز الذات والانتصار على العوائق.

وهكذا يغدو صعود سليم المتدرج نحو تحقيق أحلامه أشبه برحلة كفاح متواصلة، تتعاظم فيها الإرادة مع كل عقبة يتم تجاوزها، حتى يبلغ ذروة انتصاره الرمزي بعد مسار طويل من التحدي والصبر.

كانت قوة سليم في إرادته أولا وفي عقله الوقاد الإبداعي ثانيا، وفي ذراعيه ثالثا.

الإرادة تقرر والعقل يتوثب ويصدر أوامره للذراعين القويتين اللتين تتحديان الصعاب وترفضان اليأس وتتسلقان فرعا فرعا باتجاه القمة، حتى الوصول إلى النهاية وتحقيق الهدف المنشود.

جمهور المتفرجين فقط يتجمعون حول شجرة الجميزة العظيمة يستمتعون بالمشهد الدرامي.

كيف لهذا القعيد أن يتسلق فروع الشجرة جميعها معتمدا على ذراعيه.

وكلما صعد خطوة، كما سماها المؤلف، وليس فرعا لأسباب وجيهة، صفقت جماهير المتفرجين وازداد الحضور وتزاحمت الأكتاف حول الشجرة تراقب صانع المعجزات.

كان بعضهم يثبط عزيمة سليم وآخرون يسخرون منه وغيرهم يعتبر مهمته مستحيلة.

وحدها حبيبته عواطف التي تعرضت للقهر والظلم والغربة تقف معه وتشجعه وتؤمن بعزيمته الحديدية.

والمرأة الثانية التي تقف معه وتؤمن بقدراته وتحن عليه وكرست عمرها لخدمته هي أخته أمل.

أما ابوه فقد خذله بإدمانه على الشراب وإهمال ابنه وعائلته.

سيدتان فقط تؤمنان بقدرات سليم الإعجازية.

فقد تغلب على إعاقته بكثير من الاختراعات مثل المصعد والسرير والسيارة التي تدار باليدين.

رواية تختصر المعاناة الفلسطينيةسأحاول أن أقرأ الرواية من وجهة نظري بعيدا عن أي تأثير من أي كاتب آخر فقد تعمدت ألا أقرأ أي مراجعة للكتاب علما أن الصديق الروائي نافذ الرفاعي، أرسل لي بعضها فقلت في نفسي لن أقرأ شيئا قبل أن أنشر تحليلي وفهمي الخاص للرواية.

لقد وجدت الرواية تتماهى مع فلسطين ماضيها وحاضرها، التحديات التي تواجهها وكيفية الانتصار عليها، واقع القضية والحلم الذي يعمل الشعب الفلسطيني على تحقيقه.

إنها باختصار تجسيد لنضال الشعب الفلسطني على مر السنين للوصول إلى الحرية والاستقلال والانطلاق نحو الذرى.

إنها فلسطين التي تضرب جذورها في أعماق الأرض.

إن اختيار مدينة أريحا لاحتضان الجميزة ليس صدفة فهذه المدينة هي أقدم مدينة مسكونة بالبشر في هذا العالم.

إنها مهد التاريخ وموئل الحضارات.

وإذا قبلنا بحسابات الرفاعي أن كل فرع في الشجرة يمثل 100 عام إذن لعاد بنا التاريخ إلى اليبوسيين والكنعانيين السكان الأصليين في فلسطين.

إنها التاريخ والصمود والتربة الأصلية التي لم تأت من الخارج بل تعطي هويتها للأرض والشعب عبر العصور والأحقاب رغم مرور الغزاة عليها من كل أرجاء الأرض إلا أنها حافظت على هويتها وترسحت جذورها واستوى ساقها وأطلقت فروعها عالية في الفضاء.

إنها الشاهد الأقوى على عراقة الأرض الفلسطينية.

بطل الرواية ولد سليمـًا وبسبب الجميزة أصيب إصابة بليغة.

واختار الروائي كلمة قعيد فهو ليس معاقا ولا مقعدا ولا قاعدا.

إنه مصاب في جزء من جسده بسبب الشجرة/القضية.

وهل هناك فلسطيني أو فلسطينية لم يصب جسدا وروحا بسبب القضية الفلسطينية؟ كانت يمكن للإصابة أن تطيح به ويصبح مع القاعدين أو المقعدين.

لكن سليم تجاوز الثلم العميق في جسده وتسامى على جرحه وأطلق طاقاته العقلية الهندسية والرياضية والعلمية بعد أن نهل من العلوم كلها وقرر أن يتخطي كل المعيقات وينتصر على جزئه المعطل.

إنه نموذج للفلسطيني الذي تواجهه المصاعب الواحدة بعد الأخرى ومن كل الجهات وتغلق عليه جميع المنافذ ولكنه لا يستسلم.

لا يخضع.

لا يخنغ.

لا يتوقف.

لا ييأس، لا يستسلم.

قد يضطر لأخذ استراحة محارب ويغرق في أحلامه ويعود إلى ذكرياته القديمة بشيء من التفصيل لكنه لا يلبث أن يعود للواقع ويستأنف المحاولة للصعود خطوة أخرى إلى الأعلى.

سليم هو الفلسطيني العنيد الذي يعرف أن بينه وبين هدفه الصعب الذي يعيش في أحلامه منذ الميلاد خرط القتاد.

كل خطوة تقربه من الهدف تزداد الصعوبات تتعقد المسيرة، تزداد توقعات الجمهور الذي يزداد تعلقا بالمشهد المثير فيصفق للتحدي والنجاح وركوب الصعاب، ويرى سليم يحمل روحه على راحته ويتسلق خطوة وراء خطوة ودائما إلى الأعلى باتجاه الهدف.

الجمهور يزداد حضورا كلما حقق سليم نجاحا جديدا.

أخبار المواجهات تجلب الأنظار.

تتسع الدائرة أكثر وأكثر حول الجميزة.

الجماهير المحتشدة تعبر عن إعجابها بالمغامرة.

يعتقدون أن هناك مسرحية مسلية بطلها هذا المغامر، حيث يواجه القعيد جبروت هذه الشجرة العظيمة كما يواجه الشعب الفلسطيني جبروت الآلة العسكرية الصهيوينة الغاشمة.

لكن الفلسطيني لا يستسلم ولا يرفع الراية البيضاء.

الجماهير تصفق وتصرخ وتعبر عن إعجابها لكنها لا تعمل شيئا.

متفرجون في الملاعب واللاعبون فقط من يسجلون الأهداف.

إنها الجماهير العربية التي ترى الفلسطيني يقتحم الصعاب وحيدا ويبدون الإعجاب والتعاطف والتأييد عن بعد لكن دون أن يكون لهم دور فاعل وحقيقي في تحدي الصعاب.

إنه حال الفلسطينيين بامتياز.

عليهم تجشم المخاطر وحيدين، أمام عيون الجماهير التي تتعلق عاطفيا بمشهد المناضل الوحيد المسلح بإيمانه وعزيمته ووعيه وقوة هائلة في الجزء السليم من جسمه.

لكن دور الجماهير ينتهي هنا.

تصفيق وإعجاب.

تكتسب أسماء الشخصيات في الرواية دلالات رمزية واضحة، إذ تبدو شخصية «عواطف» تجسيدا لمعنى الوفاء والثبات الوجداني.

فهي الحبيبة التي تتمسك بمشاعرها رغم ما يفرضه الواقع من فواصل ومسافات، وتبقى حاضرة في حياة سليم بوصفها قيمة إنسانية تتجاوز حدود الزمان والمكان.

وفي المقابل، تحتل شخصية «أمل» موقعا محوريا في البناء السردي، إذ تؤدي دور السند والداعم لشقيقها في رحلته الشاقة.

فقد كرست جانباً كبيراً من حياتها لمرافقته ومساعدته في البحث عن سبل العلاج، كما اختارت توجيه مسارها العلمي والمهني نحو خدمة ذوي الإعاقات البصرية والجسدية، لتغدو نموذجا للعطاء والمسؤولية الاجتماعية.

ومن خلال هذه الشخصية تبرز الرواية صورة المرأة الفلسطينية بوصفها شريكا فاعلا في مواجهة التحديات اليومية، وحاملا لقيم التضامن والالتزام الإنساني.

أما شخصية عواطف فتتجاوز إطار العلاقة العاطفية المباشرة لتصبح تمثيلا لتجربة الشتات الفلسطيني وما تنطوي عليه من اغتراب واقتلاع وانتظار طويل.

فتنقلها القسري إلى الإكوادور، وهي وجهة بعيدة عن المراكز التقليدية للوجود الفلسطيني في المهجر، يضاعف من الإحساس بالعزلة والانفصال عن المكان الأول.

ويبدو اختيار الكاتب لهذا الفضاء الجغرافي البعيد مقصودا لتكثيف معنى الغربة وإبراز قسوة المنفى حين يُعاش خارج شبكات الدعم الاجتماعي والثقافي المعتادة.

وفي سياق مواز، تطرح الرواية نماذج إنسانية مختلفة تعكس التباينات داخل المجتمع الفلسطيني نفسه، بما يحمله من نقاط قوة ومظاهر ضعف، ومن قدرة على الصمود في مواجهة الاحتلال والاقتلاع، ومن تناقضات اجتماعية وثقافية تفرضها ظروف تاريخية معقدة.

وبذلك لا تكتفي الرواية بتقديم حكاية فردية، بل تسعى إلى رسم صورة أوسع لتجربة جماعية تتقاطع فيها معاني الحب والتضحية والاغتراب والإرادة.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة «أحلام القعيد سليم» بوصفها رواية عن القدرة على تجاوز العوائق مهما بدت قاسية، وعن أهمية الروابط الإنسانية في دعم الفرد خلال مسيرته.

فنجاح سليم في الاقتراب من أحلامه لا يتحقق بإرادته وحدها، بل أيضا بفضل شبكة من المحبة والتضامن والإسناد التي تحيط به، لتغدو الرواية في جوهرها احتفاء بقوة الإنسان حين يجد من يؤمن به ويشاركه رحلة التحدي والأمل.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك