يراهن المغرب بشكل متزايد على تحلية مياه البحر لمواجهة آثار التغيرات المناخية على الموارد المائية وتعزيز أمنه المائي، واضعا هدفا يتمثل في توفير 60% من مياه الشرب انطلاقا من المحيط الأطلسي بحلول سنة 2030.
وبخلاف السنوات الماضية تحسن وضع المياه في المغرب في شكل لافت هذا الموسم بتأثير التساقطات المطرية والثلجية المهمة، وارتفع مخزون السدود في شكل قياسي بنسبة نحو 100% مقارنة بالعام الماضي، لكن ذلك لم يمنع تقارير دولية من تصنيف المغرب بين الدول التي هي في مرحلة" الإفلاس المائي" بسبب استنزاف الموارد.
وبينما يعيش المغرب هذا الموسم على وقع انتعاش للموارد المائية بعد أربع سنوات من الإجهاد الحاد، كان لافتا، تأكيد وزير التجهيز والماء المغربي، نزار بركة، خلال الجلسة الشفوية بمجلس النواب أول أمس الاثنين، أن المملكة تعمل على تحقيق هدف استراتيجي يتمثل في ضمان التزويد بمياه الشرب بنسبة 100% لجميع المواطنين، مع إيلاء أهمية خاصة للمناطق القروية.
وأوضح الوزير المغربي أن هذا التوجه يرتكز على حزمة من المشاريع والإجراءات المهيكلة الهادفة إلى تعزيز الأمن المائي بالمملكة وضمان استدامة الموارد المائية، مبرزا أن تحلية مياه البحر ستشكل رافعة أساسية لتأمين التزويد بالماء الصالح للشرب.
وأكد أن هذه التقنية من المرتقب أن تغطي حوالي 60% من احتياجات المغرب من مياه الشرب في أفق سنة 2030، وهو ما سيساهم في تخفيف الضغط على الموارد التقليدية المتمثلة في السدود، وإعادة توجيه جزء منها نحو المناطق القروية.
ويأتي ذلك، في سياق يشهد فيه المغرب توسعا متسارعا في منظومة تحلية مياه البحر، التي انتقلت من اعتبارها حلا احتياطيا إلى ركيزة هيكلية في منظومة الأمن المائي الوطني، مع استهداف بلوغ طاقة إنتاجية تصل إلى 1.
7 مليار متر مكعب سنويا بحلول 2030.
ويتم حاليا استغلال 17 محطة لتحلية مياه البحر بقدرة إنتاجية تصل إلى 350 مليون متر مكعب في السنة، فيما توجد 4 مشاريع أخرى قيد الإنجاز حاليا بقدرة إنتاجية تصل إلى 567 مليون متر مكعب في السنة، هي: محطتا الجديدة وأسفي المرتقب استغلال طاقتهما القصوى نهاية سنة 2026، ومحطة الداخلة، التي من المرتقب أن تدخل مرحلة التشغيل منتصف سنة 2026.
بالإضافة إلى محطة الدار البيضاء التي تعد أكبر محطة لتحلية مياه البحر في أفريقيا، بقدرة إنتاجية إجمالية تقدر بـ300 مليون متر مكعب في السنة، والتي يرتقب أن يدخل شطرها الأول حيز الخدمة نهاية سنة 2026.
في حين، بلغ عدد المشاريع المبرمجة بالمناطق الساحلية إلى حد الساعة، بحسب وزارة التجهيز والماء، 11 مشروعا تهدف إلى تلبية حاجيات البلاد من المياه الصالحة للشرب وسقي بعض الأراضي الفلاحية ودعم الاحتياجات المائية الصناعية.
وتعتمد السلطات المغربية نظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتمويل إنجاز وتشغيل محطات تحلية المياه، وذلك بـ" هدف تقليص الأعباء المالية المباشرة على الدولة، والاستفادة من خبرات تقنية حديثة وإمكانات تشغيلية متطورة يوفرها شركاء القطاع الخاص".
وتبلغ كلفة إنتاج المتر المكعب من الماء المحلى في عدد من المحطات، مستويات تتجاوز 23 درهما ( نحو دولارين) بينما لا تتعدى أسعار البيع في عدة أقاليم سقف 5 إلى 6 دراهم، وهو فارق تتحمله بشكل مباشر ميزانية الدولة أو مؤسسات ومجموعات عمومية، عبر آليات دعم وتعويض غير ظاهرة في تسعيرة الماء.
وكان المجلس الأعلى للحسابات ( أعلى هيئة رقابية على المالية العمومية) قد سجل في تقريره السنوي 2024- 2025، أن الاستراتيجية الوطنية للجوء إلى الموارد المائية غير التقليدية تواجه ضغوطا اقتصادية متزايدة، ترتبط أساسا بارتفاع كلفة الطاقة، وتفاوت جودة المياه الخام، وكلفة المعالجة، إضافة إلى تأثير التضخم والضغط الضريبي وارتفاع كلفة التمويل.
واعتبر أن هذه العوامل تضع النموذج الاقتصادي الحالي لمحطات التحلية أمام مخاطر متوسطة المدى، في حال استمرار الاعتماد على نفس آليات التسعير والدعم.
إلى ذلك، رأى الخبير البيئي، مصطفى بنرامل، أن توجه المغرب نحو الاعتماد على تحلية مياه البحر لتوفير حوالي 60% من حاجياته من الماء الصالح للشرب يشكل" خيارا استراتيجيا وضرورة حتمية في ظل التغيرات المناخية المتسارعة وتوالي سنوات الجفاف التي شهدتها المملكة خلال السنوات السبع الأخيرة".
وقال بنرامل، في تصريح لـ" العربي الجديد" اليوم الأربعاء، إن المغرب يواجه تحديات مائية غير مسبوقة نتيجة تراجع التساقطات المطرية، وانخفاض منسوب السدود، وارتفاع الطلب على الموارد المائية بفعل النمو الديمغرافي والتوسع العمراني والاقتصادي، مما جعل البحث عن مصادر مائية غير تقليدية أولوية وطنية لضمان الأمن المائي.
واعتبر أن مشاريع تحلية مياه البحر تمثل أحد أهم الحلول المستدامة لتأمين التزود بماء الشرب، خاصة بالمناطق الساحلية، حيث تساهم في تخفيف الضغط على المياه الجوفية والسدود، وتوفر موردا مائيا مستقرا لا يرتبط مباشرة بتقلبات المناخ ومواسم الأمطار.
ولفت الخبير البيئي إلى أن" الرؤية الملكية الاستباقية والاستثمارات الكبرى التي أطلقتها المملكة في مجال تحلية المياه تعكس وعياً متقدماً بأهمية التكيف مع التغيرات المناخية"، داعيا في الوقت نفسه إلى تعزيز النجاعة المائية، وترشيد الاستهلاك، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، وحماية الفرشات المائية، باعتبارها إجراءات مكملة لا تقل أهمية عن مشاريع التحلية.
وإجمالا، أكد بنرامل أن تحقيق الأمن المائي بالمغرب يتطلب مقاربة شمولية تجمع بين التكنولوجيا الحديثة والتدبير المستدام للموارد المائية، مع إشراك المواطنين والمؤسسات والقطاع الخاص في ترسيخ ثقافة المحافظة على الماء باعتبارها ثروة استراتيجية وأساساً للتنمية المستدامة.
وكان المغرب قد أعلن، في مايو/ أيار الماضي، عن خطوة نوعية نحو تعزيز سيادته الصناعية والمائية، وذلك بتوقيع اتفاقية إطارية لتطوير صناعة وطنية متكاملة لتحلية مياه البحر، بمشاركة أبرز الفاعلين في القطاع، في مسعى يجمع بين متطلبات الأمن المائي وطموحات التصنيع الوطني.
وتهدف هذه الاتفاقية إلى دعم المشاريع الصناعية والتكنولوجية المرتبطة بـتحلية المياه، وتعزيز الاندماج المحلي تحت علامة" صنع في المغرب"، مع تشجيع الابتكار والبحث التطبيقي ونقل التكنولوجيا.
وتشمل كذلك تطوير الكفاءات البشرية ومواءمة برامج التكوين مع الحاجيات الفعلية لهذا القطاع الحيوي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك