تقول التجارب القاسية إن الإنسان لا يطلب العدالة كي ينتصر على أحد، بل كي يستعيد مكانه في نظر نفسه وفي نظر الجماعة التي يعيش بينها، فالظلم لا يترك ضحيته عند حدود الخسارة الأولى، إذ يبدل صورتها داخل المجتمع ويجعلها مطالبة كل مرة بشرح ما لا يحتاج إلى شرح.
ومن هنا قد ينتظر السوري العدالة في جملة يسمعها من الناس قبل قاعات المحاكم، ينتظر جملة تعترف بأن خسارته لم تكن حادثة شخصية، وأن وجعه جزء من ذاكرة عامة لا يجوز دفعها إلى الصمت.
لكن أن يرى السوري وجوهاً ارتبطت في ذاكرته العامة بنهب البيوت وبالوقوف قرب العنف تتصدر المشهد العام مطمئنة إلى موقعها وصورتها وحضورها، فيما يُدفع من يدعو إلى العدالة الانتقالية وإحقاق العدالة نحو المحاكمة أو الاغتيال المعنوي، فعندها لا يعود الذهول موقفاً عاطفياً عابراً، بل يصير دليلاً على اختلال عميق في معنى الإنصاف، لأن الفاجعة تبلغ أقسى صورها حين يصبح طلب الحق شبهة وحين تشعر الضحية أن صوتها عبء على مجتمع يريد الخروج من ذاكرته بأسرع طريق.
الإنصاف كاستعادة للاعتبار الاجتماعييقول عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو إن الناس يعيشون بما يسميه الرأسمال الرمزي، أي المكانة والاعتبار والاسم والنظرة التي تمنح الإنسان موقعه داخل الجماعة، وتدخل العدالة هنا إلى معنى المكانة الاجتماعية، لأن القهر يسلب الهيئة التي يعرف بها الإنسان نفسه أمام الآخرين، فيصير الناجي حذراً من حكايته، ويصير الفقيد رقماً قابلاً للنسيان، وتصير العائلة مطالبة بإخفاء حزنها كي لا تبدو عالقة في زمن لا يرغب أحد في سماعه.
فيما يرى الفيلسوف الألماني أكسل هونيث في نظرية الاعتراف أن الإنسان يتأذى في عمقه حين يُنكر الآخرون قيمة تجربته وحقه في الكلام عن نفسه، وهذا يفسر غضب بعض السوريين من عبارات جاهزة من قبيل كل الناس خسرت والعدالة تحتاج إلى وقت، فهذه الجمل ليس بمقدورها أن تواسي الضحية، ولكنها تترك صاحب الوجع وحيداً أمام ألم بلا شاهد.
في رواية" البؤساء" يجعل فيكتور هوغو جان فالجان رجلاً مطارداً بعقوبة التصقت باسمه أكثر مما التصقت بجسده، فتبدو العدالة في الرواية امتحاناً لقدرة المجتمع على رؤية الإنسان خلف الوصمة، وهذا المعنى يلامس التجربة السورية حين يحتاج المتضرر إلى أكثر من انتهاء الأذى، حيث يحتاج إلى استعادة صورته بين الناس كي لا تبقى خسارته عاراً صامتاً يحمله وحده.
بينما يمد إميل دوركايم الفكرة إلى النسيج الاجتماعي حين يرى أن المجتمع يعيش بروابط أخلاقية تمنح أفراده شعوراً بعالم مشترك، وحين تنكسر هذه الروابط يتحول الظلم إلى مرض يومي في التحية والقرابة والمجلس العائلي، وتصبح الذاكرة منطقة حساسة يخاف الناس دخولها لأن كل كلمة قد تفتح باباً على جرح لم يجد مكانه في المجتمع.
ما يحتاجه السوري بعد سقوط الظلموفي تجارب العدالة الانتقالية كما شرحها روتي تايتل وبابلو دي غريف، يبني المجتمع مساراً يضم الحقيقة والاعتراف وجبر الضرر وضمان عدم التكرار، فتخرج العدالة من حدود الحكم القضائي إلى معنى اجتماعي يعيد للناس ثقتهم بالعالم وبقيمة الكلام الصادق عن الألم.
كذلك فإن المسألة السورية في جوهرها الآن هي بداية أخلاقية لفهم ما خلّفه الظلم في النفوس والبيوت والعلاقات، لأن سقوط مصدر القهر لا يعني تلقائياً ولادة الشعور بالإنصاف، فالإنصاف يحتاج إلى اعتراف واضح، ومسؤولية محددة، وذاكرة محترمة، وتعويض لا يهين الضحية، ولغة عامة تمنح كل إنسان حقه في الحكاية من دون أن تسرق منه حقه في المستقبل.
لهذا تبدو العدالة عند السوريين حاجة إلى ترميم المعنى قبل ترتيب الملفات، فالذي ينتظر الإنصاف يريد من المجتمع أن يقول بوضوح إن ما حدث كان ظلماً، وإن حياة من تضرروا كانت ذات قيمة، وإن الألم الذي عاشوه لن يُدفن تحت لافتة النسيان، وإن المستقبل لا يبدأ من محو الجرح بل من الاعتراف به ووضعه في مكانه الصحيح داخل الوعي والضمير والحياة العامة.
يبدأ شعور السوري بالعدالة من تسمية واضحة لما جرى، ومن حفظ أسماء من غابوا، ومن إعادة الاعتبار لمن خسروا بيوتهم وأرزاقهم ومدنهم، وإلى لغة عامة تفهم أن الناجي لا يملك حياة كاملة لمجرد أنه نجا، وأن العائلة لا تخرج من الفقدان لمجرد أن الأيام استمرت.
لهذا يبدأ الإنصاف حين يتجاوز سقوط الظلم صورته الأولى ويصل إلى الاعتراف والذاكرة وجبر الضرر، فالظلم حين يطول يترك وراءه مجتمعاً متعباً في ثقته وأسمائه ومجالسه وأبوابه، وتبدأ العدالة حين يعود للبيت معناه، وللغائب اسمه، وللناجي صوته، وللأم حقها في الحداد، وللمدينة ذاكرتها، وللناس قدرتهم على النظر في وجوه بعضهم من غير خوف قديم يجعل كل إنسان حارساً وحيداً لوجعه.
وهنا يُفرّق بول ريكور في حديثه عن الذاكرة والغفران بين ذاكرة تحفظ كرامة الضحية وذاكرة تتحول إلى عبء دائم على صاحبها، وتفيد فكرته في قراءة الحالة السورية لأن الغفران الذي يسبق الاعتراف يجرح، والنسيان الذي يسبق الحقيقة يهين، والعدالة التي لا تسمع الحكاية من صاحبها تترك الجرح في عهدة الصمت.
في المحصلة، فإن الانتقام يولد من شعور الإنسان بأن العالم لم يسمعه، أما الإنصاف فيولد حين يجد هذا الإنسان لغة عامة قادرة على تسمية ما جرى من دون إذلال جديد، ولذلك لا يمكن للعدالة أن تقوم على رغبة في إلحاق الألم بمن ألحق الألم، لأنها عندئذ تعيد إنتاج المنطق نفسه الذي حوّل الإنسان إلى وسيلة، بينما الإنصاف يضع الضحية في مركز المعنى من دون أن يحوّلها إلى أسيرة دائمة للجرح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك