التنازلات والضمانات المطلوبة لإعادة التأهيل السياسي للحركة الإسلامية السودانية: إطار للتفكيك المؤسسي للشبكات السلطوية وإعادة الإدماج الديمقراطيأستاذ جامعي في مجال الصحة العامةالمدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدراتالمدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبياناتيُعدّ المستقبل السياسي للحركة الإسلامية السودانية أحد أكثر القضايا إثارةً للجدل في مرحلة الانتقال ما بعد السلطوية في السودان.
فقد أنتج تشابكها الطويل مع مؤسسات الدولة، والأجهزة الأمنية، والشبكات الاقتصادية، وبُنى المجتمع المدني نظامًا سلطويًا متغلغلًا بعمق يتجاوز السياسة الحزبية الرسمية ليشمل المجالات البيروقراطية والعسكرية والاستخباراتية والشرطية والاجتماعية.
هذا التغلغل ليس ظرفيًا بل هو تراكم بنيوي امتد عبر ثلاثة عقود من الحكم (1989–2019)، جرى خلالها تقنين الاصطفاف الأيديولوجي داخل هياكل القيادة، وأنظمة المشتريات، والبنى القسرية في الخرطوم ودارفور وكردفان وشرق السودان.
لذلك فإن أي مقترح لإعادة التأهيل السياسي يجب أن يستند إلى إطار شامل للمساءلة، والعدالة الانتقالية، وإعادة الهيكلة المؤسسية، ونزع الطابع المسيس عن قطاع الأمن.
تتناول هذه الدراسة نقديًا التنازلات والضمانات الضرورية التي يجب أن تقدمها الحركة كشرط مسبق لإعادة إدماجها في السياسة الديمقراطية.
وتجادل بأن إعادة التأهيل لا يمكن فهمها كإدماج سياسي فحسب، بل كعملية تفكيك تحويلية للبُنى القسرية الموازية، وشبكات القيادة الأيديولوجية، والمصالح الاقتصادية المتجذرة.
وبدون ضمانات ملزمة وآليات رقابة قابلة للتنفيذ، فإن إعادة التأهيل تُعرّض البلاد لخطر إعادة إنتاج دورات من الانتكاس السلطوي، واستحواذ النخب، وتخريب المؤسسات.
تطورت الحركة الإسلامية السودانية، المرتبطة تاريخيًا بالجبهة الإسلامية القومية ومشروعها بعد عام 1989، إلى تشكيل سياسي–أمني هجين اندمجت فيه القيادة الأيديولوجية، والسلطة العسكرية، والاستخبارات، والاقتصاد ضمن نظام حكم واحد متكامل.
بين 1989 و2019، لم تكتفِ الحركة بالتأثير على الدولة، بل أعادت هندسة بنيتها القسرية والإدارية، خاصة داخل القوات المسلحة السودانية، وجهاز الأمن والمخابرات الوطني، والشرطة، وقوات الحدود، ثم التشكيلات شبه العسكرية مثل قوات الدعم السريع.
وقد اتخذ هذا التحول مسارًا تدريجيًا من السيطرة المؤسسية.
ففي الخرطوم أُعيد توجيه مراكز القيادة نحو الولاء الأيديولوجي، وفي أم درمان وبحري أصبحت مراكز التنسيق الاستخباري أدوات رئيسية للرقابة السياسية، بينما في دارفور منذ عام 2003 اعتمد الحكم الأمني على تفويض الميليشيات وتسييس العنف الأهلي، خصوصًا في الفاشر ونيالا والجنينة.
أما في جنوب كردفان والنيل الأزرق فقد تداخلت العمليات العسكرية مع أنظمة استخبارات محلية.
إن استمرار هذه الشبكات بعد 2019 يثبت أن نفوذ الحركة الإسلامية لا يقتصر على البنية الحزبية، بل يتوزع داخل منظومة مؤسساتية تشمل أجهزة الدولة الرسمية، والاقتصاد شبه الرسمي، وشبكات النفوذ غير الرسمية (دي وال، 2015؛ البطحاني، 2016).
وبالتالي فإن إعادة التأهيل تتطلب تفكيك البنية التنظيمية ومراكز الحكم العميقة التي دعمت السلطوية.
التغلغل التاريخي والهيمنة في قطاع الأمنتطورت هيمنة الحركة الإسلامية على البنية الأمنية عبر مراحل متعاقبة:المرحلة الأولى: الأسلمة العسكرية (1989–1999)شهدت هذه المرحلة إعادة هيكلة الأكاديميات العسكرية في الخرطوم وأم درمان، وربط الترقي بالولاء الأيديولوجي بدلًا من الكفاءة المهنية.
كما تم إدماج التوجيه العقائدي في التدريب العسكري، مما أدى إلى إعادة تشكيل عقيدة الضباط في وحدات المدرعات والمشاة والاستخبارات العسكرية.
المرحلة الثانية: توسع الدولة الاستخباراتية (1999–2011)تحول جهاز الأمن والمخابرات الوطني إلى المؤسسة القسرية المركزية، حيث توسعت صلاحياته لتشمل الاعتقال والتعذيب والمراقبة السياسية.
وقد شهدت الخرطوم وبحري وأم درمان حملات قمع منظمة خلال احتجاجات الطلاب في أوائل الألفية، وإضرابات العمال، ثم احتجاجات 2013 و2016، مع ترسيخ الاعتقال التعسفي في سجن كوبر وغيره.
المرحلة الثالثة: عسكرة الميليشيات (2003–2019)تحول الجنجويد إلى قوات الدعم السريع، مما خلق نموذجًا للهجين بين الدولة والميليشيا.
وشملت العمليات في دارفور (جبل مرة، نيالا، الجنينة) عمليات تهجير واسعة وتدمير قرى، مع بناء اقتصاد عسكري قائم على الذهب في جبل عامر.
الحدود الليبية (تهريب الذهب والوقود)الحدود التشادية (مسارات الإمداد)حدود جنوب السودان (اقتصاد النفط غير المباشر)ما أدى إلى تفكك السيادة إلى وحدات قسرية متعددة.
السيطرة الأمنية كآلية سلطة مركزيةتمركزت سلطة الحركة في الأجهزة القسرية بدل الشرعية الانتخابية، عبر:القمع المنهجي عبر الاعتقال والمراقبة (حسن، 2020)السيطرة على الذهب والنفط والجماركإدارة النخب عبر التصفية الأمنيةقمع الاحتجاجات في الخرطوم 2013 و2016 و2018–2019وبحلول منتصف العقد الثاني من الألفية، أصبحت الأجهزة الأمنية فاعلًا اقتصاديًا مستقلًا (سلاتر، 2010).
التنازلات المطلوبة لإعادة التأهيل3.
1 الانفصال الكامل عن قطاع الأمنيتعين على الحركة الانسحاب الكامل من القوات المسلحة، والاستخبارات، والشرطة، وقوات الحدود، وقوات الدعم السريع، مع إزالة جميع الضباط المرتبطين أيديولوجيًا من مواقع القيادة.
3.
2 تفكيك الشبكات الأمنية الموازيةيشمل ذلك تفكيك الخلايا الاستخباراتية غير الرسمية داخل الجامعات والنقابات المهنية والاتحادات.
إتاحة الأرشيف الكامل لعمليات دارفور، وقمع الاحتجاجات، وأنظمة الاعتقال.
إخضاع القيادات العسكرية والأمنية لعمليات تدقيق دولية تتعلق بجرائم الحرب والفساد والقمع السياسي.
4.
1 إصلاح المؤسسة العسكريةإلغاء خطوط الولاء الموازية وإعادة هيكلة القيادة العامة.
وضعها تحت رقابة برلمانية وقضائية صارمة.
4.
3 تفكيك أو دمج الدعم السريعإما دمجه في جيش موحد أو حله بالكامل، مع تأميم اقتصاده.
4.
4 فصل الشرطة عن السياسةتحويلها إلى جهاز مدني خاضع للقضاء.
ضمانات المشاركة السياسية الآمنةمحاسبة الأفراد دون العقاب الجماعي.
إنشاء هيئات رقابة على الميزانية والاستخبارات.
حظر إعادة إنتاج التنظيمات القسرية تحت مسميات جديدة.
5.
4 الالتزام بالديمقراطية الدستوريةقبول التعددية ورفض احتكار الحكم.
5.
5 التخلي عن القوة القسريةنزع أي ارتباط مباشر أو غير مباشر بالسلاح.
أن الإصلاح الجزئي يؤدي إلى عودة الاستبداد.
السودان حالة أكثر تعقيدًا بسبب اندماج الأيديولوجيا والاقتصاد والقوة القسرية (بريونييه، 2005؛ سيد أحمد، 2008).
تشكل هيمنة الحركة الإسلامية على قطاع الأمن العمود الفقري لقوتها التاريخية.
وأي إعادة تأهيل دون تفكيك هذا الهيكل ستؤدي إلى إعادة إنتاج السلطوية بشكل جديد.
إن التحول الديمقراطي المستدام يتطلب فصلًا جذريًا بين الأيديولوجيا والقوة القسرية، وإخضاع جميع الأجهزة الأمنية للسلطة الدستورية المدنية.
التفكيك البنيوي لشبكات اندماج الحركة–الدولةإن أحد الأبعاد الحاسمة، والتي غالبًا ما يتم التقليل من شأنها في فهم قوة الحركة الإسلامية السودانية، لا يكمن فقط في المؤسسات الأمنية، بل في ما يمكن وصفه بـ شبكات اندماج الحركة–الدولة؛ وهي شبكات غير رسمية لكنها في الوقت نفسه مؤسسية للغاية، مكّنت الكوادر الأيديولوجية من التغلغل والتنسيق عبر الوزارات، والمؤسسات العامة، والهيئات المهنية، والمؤسسات التنظيمية شبه المستقلة، بصورة جعلت الحدود بين الدولة والتنظيم السياسي غير واضحة عمليًا.
وعلى خلاف الهياكل الحزبية الرسمية، عملت هذه الشبكات عبر انتماءات متعددة الطبقات متغلغلة داخل مفاصل الدولة المركزية والقطاع العام، بما في ذلك وزارة المالية والتخطيط في الخرطوم، والإدارات الإدارية بوزارة الداخلية، ووزارة الطاقة والتعدين بما يشمل سلطات التراخيص والامتيازات، إضافة إلى سلطات المشتريات العامة ولجان العطاءات التي تتحكم في دورة الإنفاق العام، وكذلك مجالس إدارة الجامعات مثل جامعة الخرطوم وجامعة الجزيرة وجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، فضلًا عن المؤسسات المملوكة للدولة مثل هيئة السكك الحديدية السودانية والخطوط الجوية السودانية والشركة السودانية للموارد المعدنية.
وقد سمح هذا النمط من الاندماج باستمرارية النفوذ حتى في لحظة انهيار السلطة السياسية الرسمية بعد 2019، عبر قنوات غير مرئية من التعيين والتوجيه والوساطة داخل الجهاز الإداري.
6.
1 الفصل القانوني الكامل بين الحركة وإدارة الدولةيجب على الحركة الإسلامية قبول فصل قانوني ملزم ونهائي بين التنظيم السياسي وإدارة الدولة، بحيث يتم منع أي شكل من أشكال التداخل بين النشاط الحزبي والوظيفة العامة.
ويشمل ذلك حظر المجالس الاستشارية غير الرسمية داخل الوزارات، وتجريم التجنيد الأيديولوجي في التعيينات بالخدمة المدنية، وحل لجان التعيين القائمة على الولاء السياسي أو التنظيمي، إضافة إلى حظر “دوائر صنع القرار الموازية” داخل المؤسسات البيروقراطية التي عملت كسلطة ظل موازية للسلطة الرسمية.
وقد كانت هذه البنى غير الرسمية ذات تأثير مباشر وممنهج في إدارة ولاية الخرطوم، وأنظمة الحكم الزراعي في الجزيرة، وسلطات إدارة الموانئ في ولاية البحر الأحمر، حيث ساهمت في إعادة توزيع الموارد والوظائف والفرص وفق شبكات ولاء غير معلنة بدلًا من معايير الكفاءة والشفافية.
6.
2 إزالة التسييس الشامل للخدمة المدنية (تفكيك التمكين في الجهاز البيروقراطي)من أهم التنازلات المطلوبة هو التفكيك الكامل للتغلغل الأيديولوجي داخل الخدمة المدنية، والذي يُشار إليه غالبًا بسياسات “التمكين”، باعتبارها آلية لإعادة تشكيل الدولة عبر الولاء السياسي بدلًا من الحياد المؤسسي.
(أ) تدقيق إداري شامل (1989–حتى الآن)يجب على لجنة خدمة مدنية مستقلة إجراء مراجعة وطنية شاملة تغطي أنماط التوظيف، ومسارات الترقي، ومخالفات التعيين، وممارسات الفرز الأيديولوجي التي أعادت تشكيل الجهاز الإداري خلال ثلاثة عقود.
ويشمل نطاق التدقيق الوزارات والمؤسسات في الإدارة الفيدرالية في الخرطوم، والخدمة المدنية في ولاية الجزيرة، والأجهزة الإدارية الإقليمية في دارفور، إضافة إلى سلطات الموانئ في شرق السودان (بورتسودان)، باعتبارها نقاطًا مركزية في الاقتصاد الإداري والجمركي للدولة.
(ب) إبطال التعيينات القائمة على الولاء الأيديولوجييجب مراجعة جميع التعيينات التي تمت على أسس غير معيارية أو أيديولوجية، مع إمكانية إلغائها أو إعادة تقييمها وفق معايير مهنية مستقلة.
وتشير الأدلة إلى وجود نمط منهجي من التفضيل في مؤسسات حيوية مثل هيئة الجمارك في بورتسودان، وديوان الضرائب، ونظم التوظيف الإداري في القضاء، وكذلك الأجهزة التنظيمية المرتبطة بالبنك المركزي، حيث تم توجيه التعيينات بما يخدم شبكات الولاء السياسي.
(ج) ميثاق حياد الخدمة المدنيةيجب اعتماد ميثاق قانوني ملزم للحياد المؤسسي، يتضمن عدم الانتماء السياسي لكبار الموظفين التنفيذيين، واعتماد امتحانات تنافسية شفافة للتوظيف، وإنشاء لجنة خدمة مدنية مستقلة معزولة تمامًا عن الأحزاب السياسية، بما يضمن إعادة بناء جهاز إداري قائم على الكفاءة والحياد.
6.
3 تفكيك الاحتكار في القطاع الخاص والفصل الاقتصاديترسخت الحركة الإسلامية أيضًا داخل القطاع الخاص عبر بناء نظام اقتصادي هجين يمكن وصفه بـ الرأسمالية السياسية، حيث تداخلت الملكية الاقتصادية مع النفوذ السياسي والأمني بصورة عميقة.
وتشمل القطاعات الرئيسية المتأثرة:(أ) القطاع المصرفي والشبكات الماليةتمت السيطرة أو التأثير عبر البنوك الإسلامية، وأنظمة تخصيص النقد الأجنبي، وشبكات تراخيص الاستيراد والتصدير في الخرطوم وبورتسودان، مما خلق اقتصادًا موازيًا مرتبطًا بالقرار السياسي والأمني.
وتشمل التنازلات المطلوبة إجراء تدقيق جنائي شامل لهياكل ملكية البنوك، وكشف جميع الملكيات المرتبطة سياسيًا، إضافة إلى تفكيك ترتيبات الملكية الوكيلة التي سمحت بإخفاء السيطرة الفعلية خلف واجهات تجارية.
(ب) اقتصاد الذهب والتعدينأصبح استخراج الذهب في جبل عامر (شمال دارفور)، وأرياب (ولاية البحر الأحمر)، وممرات التعدين النهرية في الولاية الشمالية، أحد أهم مصادر التمويل للبنى القسرية وشبكات النفوذ الاقتصادي.
وتشمل الضمانات المطلوبة تأميم أو إخضاع الامتيازات التعدينية لرقابة دولية مستقلة، ومنع الملكية العسكرية–السياسية لشركات التعدين، وضمان شفافية صادرات الذهب عبر بورتسودان باعتباره المنفذ الرئيسي للتجارة الخارجية.
(ج) كارتلات الاستيراد والتصدير والجماركتعمل هذه الشبكات عبر هيئة جمارك بورتسودان، وشركات اللوجستيات في الخرطوم، وطرق التجارة الحدودية مع تشاد ومصر وجنوب السودان، مما أدى إلى تشكل اقتصاد حدودي غير شفاف.
ويجب تفكيك هذه الكارتلات وإعادة تنظيمها ضمن أطر تنظيمية شفافة تخضع للرقابة المؤسسية والقانونية.
6.
4 تفكيك التسييس في المجتمع المدني والنقابات المهنيةيمثل اختراق المجتمع المدني أحد أهم مجالات النفوذ غير المرئي والأكثر تأثيرًا، حيث امتد ليشمل البنى الاجتماعية والتنظيمية الوسيطة.
وتشمل الهياكل المتأثرة النقابات المهنية مثل نقابات المعلمين والأطباء والمهندسين، والاتحادات المهنية، واتحادات الطلاب وخاصة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم تاريخيًا، إضافة إلى الجمعيات الخيرية الدينية والمنظمات غير الحكومية الوسيطة.
وتشمل التنازلات المطلوبة:(أ) تفكيك السيطرة الأيديولوجية على النقاباتإعادة انتخاب القيادات النقابية تحت إشراف مستقل، مع إزالة القيادات التي فُرضت خلال فترة الحكم السلطوي، وإعادة بناء العمل النقابي على أساس ديمقراطي مستقل.
(ب) شفافية المنظمات غير الحكوميةإلزام جميع المنظمات بالكشف عن مصادر التمويل، وتاريخ الحوكمة، والارتباطات السياسية خلال الفترة (1989–2019)، لضمان عدم استمرار النفوذ غير المباشر.
(ج) حظر الاستخدام السياسي للمجتمع المدنيمنع تحويل منظمات المجتمع المدني إلى أدوات تعبئة سياسية، أو قنوات تجنيد أيديولوجي، أو هياكل حكم موازية، خاصة في الخرطوم وأم درمان والجزيرة حيث كان هذا الاستخدام أكثر كثافة.
6.
5 ضمانات نزع التسييس عن الإعلام والمعلوماتاعتمدت الحركة الإسلامية تاريخيًا على السيطرة المنظمة على المجال الإعلامي، سواء عبر الإعلام الرسمي أو الشبكات غير الرسمية.
(أ) استقلال مؤسسات الإعلامإزالة المجالس التحريرية التابعة للدولة أو الحزب، ومنع ملكية الأحزاب لوسائل الإعلام، وإنشاء هيئة تنظيم مستقلة للإعلام والبث.
(ب) حظر الحرب المعلوماتية الرقميةحظر حملات التأثير المنسقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وشبكات الروبوتات التي استُخدمت خلال احتجاجات 2013 و2016 و2018–2019، إضافة إلى تفكيك وحدات الدعاية الإلكترونية المرتبطة بالدولة أو الأجهزة الأمنية.
ضمان حرية الصحافة، وحماية المبلغين عن المخالفات، ودعم التحقيقات الصحفية المستقلة باعتبارها جزءًا من الرقابة الديمقراطية.
6.
6 نزع التسييس عن المؤسسات الدينيةاستُخدمت شبكات المساجد تاريخيًا كأدوات تعبئة سياسية وتنظيم اجتماعي ذي طابع أيديولوجي.
وتشمل الضمانات منع التعبئة الحزبية داخل المساجد في أم درمان وبحري ونيالا، والفصل الكامل بين الجمعيات الدينية الخيرية والتمويل السياسي، وإخضاع المؤسسات التعليمية الإسلامية لرقابة مستقلة، إضافة إلى تجريم أي شكل من أشكال الإكراه الديني السياسي.
6.
7 آليات رقابة خارجية شاملةيجب قبول هياكل رقابة ملزمة متعددة المستويات تشمل بعثة الاتحاد الإفريقي الانتقالية، وبعثة الأمم المتحدة السياسية المتكاملة، ولجنة العدالة الانتقالية السودانية المستقلة، وهيئات التدقيق المالي الدولية.
وتشمل صلاحيات هذه الجهات التحقيق في الانتهاكات، وتعليق الامتيازات السياسية، والتوصية بالملاحقة القانونية، وتجميد الأصول المرتبطة بعدم الامتثال.
6.
8 ضمان التحول الأيديولوجي طويل الأمديتطلب الضمان النهائي قبول التعددية الأيديولوجية، والالتزام بالحكم المدني المؤسسي غير الأيديولوجي، ورفض أي ادعاء بالوصاية على الدولة، إضافة إلى دمقرطة داخلية للحركة، والاعتراف الكامل بالدستور بوصفه المصدر الوحيد للشرعية السياسية.
يمثل هذا المستوى من التنازلات والضمانات توسعًا جوهريًا في إطار إعادة التأهيل، إذ ينتقل من إصلاح القطاع الأمني فقط إلى تفكيك شامل لبنية اندماج الأيديولوجيا مع الدولة والاقتصاد والمجتمع المدني والإعلام.
ويؤكد أن استمرار السلطوية في السودان لم يكن عسكريًا فقط، بل إداريًا واقتصاديًا ومجتمعيًا في آن واحد، عبر شبكات مترابطة من النفوذ المؤسسي.
وبدون تفكيك هذه الشبكات المندمجة بصورة منهجية، فإن أي عملية إعادة تأهيل سياسي ستظل سطحية، وستعيد إنتاج البنية السلطوية نفسها تحت مسميات مؤسسية جديدة.
الضمانات الملزمة بعد إعادة التأهيل والحواجز الوقائية طويلة الأمدتتناول المرحلة النهائية من هذا الإطار ليس فقط التنازلات المطلوبة قبل إعادة التأهيل السياسي، بل أيضًا الضمانات غير القابلة للعكس المصممة لمنع العودة إلى السلطوية، أو إعادة تشكّل النخب القديمة، أو إعادة التغلغل المؤسسي السري للحركة الإسلامية السودانية بأشكال تنظيمية جديدة، مع التأكيد على أن هذه المرحلة تُبنى على إدراك أن البيئات الانتقالية في الدول الخارجة من السلطوية تظل شديدة الهشاشة أمام إعادة تدوير النخب، والشبكات الظلية، وآليات الاختراق المؤسسي غير الرسمية (Linz, 1996; Slater, 2010).
7.
1 الترسيم الدستوري الدائم لحياد الدولة السياسييجب أن يُكرَّس عبر تعديل دستوري سامٍ مجموعة من المبادئ المترابطة التي تُغلق نهائيًا الباب أمام إعادة إنتاج الاندماج الأيديولوجي للدولة، وتشمل: الحياد المطلق للدولة تجاه جميع الحركات الأيديولوجية أو الدينية أو السياسية، وحظر أي حزب أو تنظيم يدّعي الوصاية الأخلاقية أو الدينية الحصرية على الحكم، وتجريم محاولات دمج الهوية السياسية مع السلطة القسرية للدولة، مع ترسيخ سيادة السلطة القضائية على المؤسسات العسكرية والأمنية بوصفها سلطة ضبط عليا.
ويهدف هذا الضمان إلى منع إعادة إنتاج نموذج الاندماج الذي ساد بين 1989 و2019 بصورة بنيوية دائمة، بحيث يصبح الحياد المؤسسي جزءًا من البنية الدستورية غير القابلة للتفاوض.
7.
2 بند الإقصاء الدائم من السيطرة على المؤسسات القسريةيجب إنشاء مبدأ قانوني ملزم ينص على أن أي فاعل سياسي يثبت أنه قاد أو استفاد أو نسّق مع مؤسسات قسرية مثل القوات المسلحة أو الاستخبارات أو الدعم السريع أو الشرطة لأغراض حزبية، يُمنع بشكل دائم من تولي أي موقع يتعلق بـقيادة القطاع الأمني أو هيئات الرقابة الاستخباراتية أو لجان سياسة الدفاع.
ويستند هذا المبدأ إلى مقاربات الإقصاء المؤسسي في تجارب التحول ما بعد السلطوي، خصوصًا في مسارات نزع الطابع العسكري عن الدولة في أمريكا اللاتينية، حيث يتم منع إعادة تدوير النخب القسرية داخل البنية الديمقراطية (Hassan, 2020).
7.
3 الاسترداد الكامل للأصول وتفكيك الاقتصاد السياسييجب تنفيذ برنامج وطني شامل لاسترداد الأصول يتعامل مع بنية الاقتصاد السياسي بوصفها جزءًا من منظومة السلطوية وليس مجرد ملف مالي، ويشمل ذلك استرداد اقتصادات الاستحواذ على الدولة، بما في ذلك عائدات صادرات الذهب من دارفور والولاية الشمالية، وتسربات إيرادات الجمارك في بورتسودان، والحيازات الاقتصادية للشركات المرتبطة بالجيش في قطاعات اللوجستيات والاستيراد، إضافة إلى العقارات في الخرطوم وبحري وأم درمان التي تم اكتسابها عبر المحاباة السياسية.
ويوازي ذلك إنشاء لجنة تدقيق مالي دولية مستقلة تضم فرق تدقيق متعددة الجنسيات، ونشر سجلات الأصول بشكل علني، وتتبع التحويلات المالية الخارجية المرتبطة بالشبكات السياسية، بما يضمن تفكيك البنية المالية العميقة للنفوذ السياسي.
7.
4 ضمان العدالة الانتقالية وعدم العرقلةيجب أن تلتزم الحركة رسميًا وبشكل غير مشروط بالتعاون الكامل مع لجان الحقيقة، وعدم التدخل في الإجراءات الجنائية، وقبول المحاكم الهجينة الدولية–الوطنية، وتقديم الوثائق والشهادات عند الطلب، بما يضمن عدم إعادة إنتاج الحصانة السياسية غير الرسمية.
وينطبق ذلك تحديدًا على الانتهاكات الموثقة في دارفور (2003–2008)، وقمع احتجاجات الخرطوم (2013، 2016، 2018–2019)، وأنظمة الاحتجاز في كوبر وشالا ونيالا، باعتبارها ملفات مركزية في مسار العدالة الانتقالية.
7.
5 عقيدة الفصل النهائي للقطاع الأمنييجب اعتماد عقيدة بنيوية دائمة تضمن منع أي انتماء حزبي داخل القوات المسلحة أو الاستخبارات أو الشرطة أو قوات الحدود، مع ترسيخ احتكار مدني كامل لاعتماد ميزانية الدفاع، وإخضاع المشتريات العسكرية لرقابة برلمانية مباشرة، وإلغاء الاقتصادات الموازية داخل المؤسسات الأمنية.
ويهدف هذا الإطار إلى تحقيق الفصل غير القابل للعكس بين السلطة القسرية والأيديولوجيا، بحيث تصبح الأجهزة الأمنية مؤسسات دولة محايدة وليست أدوات سياسية.
7.
6 آلية الرقابة والامتثال لإعادة الإدماجيجب إنشاء نظام إنفاذ متعدد المستويات يدمج بين الوطني والدولي لضمان الامتثال المستمر، ويشمل على المستوى الوطني هيئة رقابة انتقالية مستقلة، ولجان مراجعة قضائية، ومجالس رقابة مجتمعية في الخرطوم ودارفور وشرق السودان، بينما يشمل على المستوى الإقليمي والدولي بعثة الاتحاد الإفريقي للامتثال، ووحدة تحقق تابعة للأمم المتحدة، ومدققين دوليين للامتثال المالي.
ويجب أن تمتلك هذه الهيئات صلاحيات فعلية تشمل تعليق الحقوق السياسية، وتجميد الأصول، والتوصية بفرض العقوبات، وتفعيل آليات المساءلة القانونية عند الضرورة.
7.
7 ضمانات إعادة الإدماج الاجتماعي ونزع التطرفلمنع إعادة إنتاج الأيديولوجيا في المجال الاجتماعي، يجب تنفيذ إصلاح شامل للمناهج المدنية في المدارس والجامعات، وإعادة توجيه التعليم الديني بعيدًا عن التوظيف السياسي، إلى جانب إطلاق برامج مصالحة وطنية في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، وبرامج إعادة دمج الشباب في المدن الكبرى مثل الخرطوم ود مدني وبورتسودان.
ويعكس هذا الضمان أن الإصلاح المؤسسي وحده غير كافٍ، وأن التحول الديمقراطي يتطلب تحولًا ثقافيًا عميقًا في بنية الوعي السياسي والاجتماعي.
7.
8 ضمانات التنافس السياسي وتكافؤ الفرصلضمان إعادة إدماج سياسي عادل، يجب تأمين تكافؤ الوصول إلى الإعلام لجميع الفاعلين السياسيين، وإنشاء لجنة انتخابات مستقلة، وحظر التمويل السياسي القادم من مصادر عسكرية أو اقتصادات قسرية سابقة، مع اعتماد نظام شفاف لتسجيل الأحزاب يضمن عدم إعادة إنتاج الاحتكار السياسي.
7.
9 بند عدم قابلية إعادة التكوين للهياكل المفككةيجب تصنيف جميع البنى التي تم تفكيكها، بما في ذلك الشبكات الأمنية الموازية، وهياكل اندماج الحركة–الدولة، وأنظمة التجنيد الأيديولوجي في الخدمة المدنية، والاحتكارات الاقتصادية السياسية، على أنها:“منحلة بشكل غير قابل للعكس وغير قابلة لإعادة التكوين تحت أي شكل قانوني أو ديني أو مدني أو تنظيمي.
”ويُعد هذا البند حجر الزاوية في منع إعادة تدوير البنية السلطوية تحت مسميات جديدة.
7.
10 إطار الترسيم الديمقراطي طويل الأمديجب تنفيذ استراتيجية استقرار وطنية تمتد من 10 إلى 20 عامًا تشمل بناء القدرات المؤسسية في الوزارات، وتنويع الاقتصاد بعيدًا عن الاقتصادات الاستخراجية السياسية، وتعزيز الهياكل الفيدرالية للحكم، وتطوير ترتيبات حكم ذاتي لدارفور والنيل الأزرق وشرق السودان، إلى جانب ترسيخ استقلال القضاء بوصفه ضمانة مركزية لاستدامة النظام الديمقراطي.
ويتوافق هذا الإطار مع نظريات التحول الديمقراطي التي تؤكد أن نجاح الانتقال لا يُقاس بلحظة التغيير، بل بعمق الترسيم المؤسسي طويل الأمد (Linz, 1996).
لا يمكن تصور إعادة التأهيل السياسي للحركة الإسلامية السودانية كعودة بسيطة إلى التعددية السياسية، بل يتطلب ذلك تحولًا بنيويًا شاملًا في العلاقة بين الأيديولوجيا والقسر والاقتصاد والبيروقراطية والمجتمع المدني.
وعبر ثلاث طبقات مترابطة—تفكيك القطاع الأمني، ونزع التمكين من الخدمة المدنية، وضمانات ما بعد إعادة الإدماج—يؤكد هذا الإطار أن استدامة الديمقراطية في السودان تعتمد على: الفصل غير القابل للعكس بين الأيديولوجيا وسلطة الدولة، وإنهاء شبكات الاندماج بين الاقتصاد والقوة، وترسيخ السيادة المدنية على المؤسسات، وتفعيل العدالة الانتقالية الشاملة والمساءلة، ونزع الطابع السياسي طويل الأمد عن الهويات القسرية.
وبدون هذه الضمانات، فإن أنماط إعادة إنتاج السلطوية ستعود بأشكال أكثر مرونة وأقل وضوحًا، بما يعيد إنتاج الدورات التاريخية في السودان (de Waal, 2015; Slater, 2010).
de Waal A.
The Real Politics of the Horn of Africa.
Cambridge: Polity Press; 2015.
El-Battahani A.
Islamist Movement and State Security in Sudan.
Khartoum: University of Khartoum Press; 2016.
Gallab A.
The First Islamist Republic.
Farnham: Ashgate; 2014.
Hassan M.
Security Governance and Islamism in Sudan.
Journal of African Security Studies.
2020;25(3): 412–430.
Linz J.
Problems of Democratic Transition and Consolidation.
Baltimore: Johns Hopkins University Press; 1996.
Prunier G.
Darfur: The Ambiguous Genocide.
Ithaca: Cornell University Press; 2005.
Sidahmed A.
Sudan Political Transformation and Security Institutions.
London: Routledge; 2008.
Slater D.
Ordering Power: Authoritarian Security Structures.
Cambridge: Cambridge University Press; 2010.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك