قناة العالم الإيرانية - ايران تطالب بتنفيذ العدالة بحق مرتكبي جريمة مدرسة ميناب العربي الجديد - الطاقة المتجددة وأوهام نهاية حقبة النفط والغاز العربي الجديد - إسبانيا تحصد سياحياً مكاسب الحرب في الشرق الأوسط العربي الجديد - طهران تدعو للالتزام بمذكرة التفاهم وترامب يهدد وكالة سبوتنيك - سلوفاكيا ترفض المشاركة في حزمة دعم عسكري جديدة لكييف وكالة سبوتنيك - ترامب: رسوم عبور هرمز "غير مقبولة" في أي اتفاق مع إيران القدس العربي - ترامب لروته: دول الناتو “خذلت” الولايات المتحدة في الحرب مع إيران CNN بالعربية - هل تتفق مع ترامب بشأن السماح لإيران بامتلاك صواريخ باليستية؟ قناة الجزيرة مباشر - ترمب: لم أحصل على أي دعم من أوروبا بشأن حرب إيران الليوان - روان محمد: سالفة أرباح الملايين من بثوث التيك توك غير منطقية
عامة

جيل القلق الأدبي في السودان

سودانايل الإلكترونية

يُقصد بـ “جيل القلق” في الأدب والنقد — وتحديداً في سياق السرد والرواية السودانية المعاصرة — ذلك الجيل الأدبي الذي برزت ملامحه الفنية والروائية في فترة تسعينيات القرن العشرين وما تلاها. وتأتي هذه التسم...

يُقصد بـ “جيل القلق” في الأدب والنقد — وتحديداً في سياق السرد والرواية السودانية المعاصرة — ذلك الجيل الأدبي الذي برزت ملامحه الفنية والروائية في فترة تسعينيات القرن العشرين وما تلاها.

وتأتي هذه التسمية حاملةً أبعاداً فكريّةً وأسلوبيّةً محددةً تُفسر سياقات إطلاقها؛ حيث عاش هذا الجيل بدايات تجاربه الإبداعية ونضجها في ظل تحولات سياسية واجتماعية عاصفة شهدها السودان، مما انعكس على نصوصه التي اتسمت بغياب الطمأنينة ويقين الأيديولوجيات القديمة، وبروز تشتت الهوية والبحث المستمر عن الذات وسط بيئات قاسية أو منافٍ اغترابية.

وإذا كان جيل الستينيات والسبعينيات قد انشغل بصراع “الشرق والغرب”، أو ثنائية “القرية والمدينة”، وجدلية “الغابة والصحراء”؛ فإن جيل القلق قد انفتح على جراحات أكثر حداثةً وتفتتاً، مستعيناً بآفاق الفكر الحر غير المشروط بأيديولوجيا، وبفلسفة القلق بوصفها “شرطاً للحرية”، فأصبحت الكتابة لديهم عن الحياة وتجاربهم هي بحد ذاتها فعل تحرر.

فالقلق هنا ليس عجزاً، بل هو إدراك عميق للمسؤولية تجاه الذات والآخر في عالم بلا ضمانات مسبقة، إذ يطرح هذا الجيل “سيولة الهوية” بوصفها كينونة غير ثابتة، بل صيرورة متغيرة وتدفقاً دائماً لا يعرف الاستقرار، تتشكل وتُعاد صياغتها مع كل انكسار تاريخي أو ارتحال جغرافي.

وقد تعاظم هذا المفهوم في الراهن السوداني؛ حيث تحول القلق من ترف فلسفي إلى ضرورة للبقاء، واكتست النصوص بملامح “أدب الكارثة” التي فرضتها التحولات الجذرية الأخيرة من حروب ونكبات، مما جعل من “مشروع الكتابة” لديهم هو “مشروعية الوجود” ذاتها، وفعل مقاومة ضد التلاشي في زمن التيه.

ويمثل هذا التيار تمرداً فنياً على البنى الروائية التقليدية لجيل العمالقة السابق، إذ يتجلى قلقهم الإبداعي في تجريب أساليب سردية معقدة تعتمد تيار الوعي، والتقطيع الزمني، والسرد الحر، والفانتازيا، والواقعية السحرية، وتحطيم أصنام السرد، والخروج بالنص من الأطر المحلية الضيقة إلى آفاق الإنسانية الرحبة.

ويتجسد هذا القلق في أبهى صوره التأويلية عبر ثنائيات إبداعية شكلت ملامحه، وتبدو ثنائية عماد البليك وعبد العزيز بركة ساكن تجسيداً حياً لتقاطعات هذا الجيل في مستويين متكاملين؛ حيث يغوص عبد العزيز بركة ساكن في قلق الهامش مستخدماً الواقعية السحرية كآلية دفاع نفسي ومقاومة للمهمشين، وكبح جماح واقع سوداني مفرط في قسوته وسحريته معاً، ويتجلى ذلك في روايته “الجنقو مسامير الأرض”؛ إذ يتحول السحر إلى قناع يواجه به أبطاله وطأة الطحن اليومي.

وجمالياً، تتحول الجملة عنده إلى شظايا لاهثة وصادمة تحاكي لغة الشارع وكامبو النازحين.

وفي المقابل، ينزع عماد البليك نحو فانتازيا فلسفية وتاريخية تجريدية تعيد إنتاج الأسطورة والمخطوطات بهدف استنطاق المسكوت عنه في الذاكرة الجمعية وتفكيك أزمات الهوية والتشظي، كما في روايته “الملائكة في فرص”؛ حيث تتشكل الجملة عند البليك كاستيطيقا للفراغ والغياب، فهي جملة متوترة، تأملية، وطويلة تعبر عن عجز اللغة أمام قلق الهوية الوجودي.

ولم يتخذ القلق السردي شكلاً هوياتياً واحداً، بل تشظى إلى مسارات وتيارات موضوعية متعددة اقتسمتها شخوص ونصوص مبدعي هذا الجيل؛ فهناك تيار قلق الراهن العنيف وتفكيك التهميش، وهو التيار الذي اشتبك مباشرة مع التحولات السياسية الميدانية في الداخل وصحب الحروب الأهلية، حيث يبرز أبكر آدم إسماعيل في تفكيكه لبنية التهميش والوعي بالأزمة الوجودية للإنسان السوداني كما في روايته “الطريق إلى المدن المستحيلة”، ويتشابك معه منصور الصويم وحمور زيادة في رصد تحولات العنف الاجتماعي والسياسي، بجانب معاوية محمد الحسن ومحمد المصطفى موسى، حامد الناظر، حيث تئن نصوصهم بوطأة الواقع الميداني وتحولاته العنيفة.

وفي مسار موازٍ، توزع أفق قلق المنافي وصدمة الاغتراب بين ارتباكين: قلق فيزيائي مادي يكتوي بنار التحولات بالداخل، وقلق وجودي تأملي حاد يقتات على حنين النفي في الخارج.

ويتجلى هذا بوضوح في سرديات صدمة المنافي والشتات عند صلاح النعمان، وسلمى سلامة، وإيماض بدوي، وعبد الحميد البرنس، وأسامة رقيعة.

بينما ينفتح المشهد الاغترابي على صدمة الوجود والقطع الحاد مع الجذور في تجارب ليلى أبو العلا — التي تكتب بالإنجليزية بقلب سوداني — وآن الصافي، ورانيا مأمون؛ إذ تغدو الكتابة لديهن محاولة لترميم هوية مهددة بالتلاشي في جغرافيا الآخر.

تكتمل هذه اللوحة بانتقال التجارب النسوية والمغايرة بالتوتر السردي إلى مستويات اجتماعية ونفسية حادة تقع في سياق القلق الجندري والوجودي وتفكيك “التابوهات”؛ كمقاربات سارة الجاك التي تمارس قلقاً تفكيكياً للمنظومة البطريركية بلغة مشحونة بالتوتر، وتجربة صباح سنهوري في رصدها للعزلة الوجودية والعدمية النفسية، وسوزان كاشف التي يتقاطع في نصوصها القلق النفسي الداخلي بضجيج الشارع، وهو ما يتوازى مع الرؤى الفنية الهادمة لسكون الأشكال السائدة عند محفوظ بشرى وعمر الفاروق، في سعي جماعي لكشف مناخ روحي مشوه ألقى بظلاله على البنية الاجتماعية برمتها.

وقد أنتجت موجات الهجرة والنزوح المتلاحقة ما يمكن تسميته بـ “النص الهجين”، وهو النص الذي يُكتب من جغرافيا الخارج لكن بذاكرة الداخل الحية، وأداته الأساسية هي اللغة القلقة والمدهشة التي لا تطمئن للقوالب الجاهزة أو القواميس الكلاسيكية المستقرة؛ حيث تتميز هذه اللغة بالاقتصاد اللغوي والحدة، فتميل إلى البتر والاختزال السريع لدرجة تصبح فيها الجملة المبتورة تعبيراً بنيوياً عن ضيق النفس الوجودي للشخصية السودانية المعاصرة.

كما تتميز بشعريتها المنكسرة التي لا تصف الواقع بقدر ما تعيد اختراعه وتثويره، مستعينة بقدرتها الفائقة على التقاط التفاصيل الهاربة واليومية الهامشية، كملامح معسكرات النزوح، وأصوات الرصاص، وتفاصيل الموانئ والمطارات.

ولإدراك حجم هذا التحول، لا بد من عقد مقارنة بين ما نسميه بالطمأنينة السردية الكلاسيكية لجيل العمالقة وثبات بيئاتهم الجغرافية، وبين جيل القلق الذي آمن بسيولة المكان؛ ومع ذلك، فإن هذه الطمأنينة لم تكن استسلاماً ساكناً، فبينما امتاز جيل الرواد كالطيب صالح وإبراهيم إسحق ببناء معماري رصين يستند إلى استقرار المرجعية الثقافية والمكانية كالقرية والبلدة وحسابات الهجرة الدائرية، نجد استثناءات تاريخية مبكرة زرعت جينات القلق في تربة السرد السوداني؛ حيث مثلت تجربة عيسى الحلو حالة استثنائية مبكرة حركت مياه تلك الطمأنينة من الداخل بوعي فلسفي تجريبي اعتمد على تفكيك الذات ومقاربة القلق الوجودي وتيار الوعي في مناخات مشحونة بالغموض النفسي، وإن احتفظت بنية النص لديه بمتانتها المعمارية الكلاسيكية.

ويبرز كذلك بشرى الفاضل بوصفه “المجذّر القلق”، فبالرغم من انتمائه الزمني لجيل العمالقة، إلا أنه كان سباقاً في تكسير الطمأنينة الواقعية الرتيبة عبر نصوص تمزج الفانتازيا باللامعقول، وهو ما يتجلى شاهداً حياً في نصه الأيقوني “حكاية البنت التي طارت عصافيرها”؛ حيث يتحول فضاء الخرطوم اليومي الساكن والمألوف إلى مسرح لاغتراب حاد وتفجير لغوي وبصري صادم يخرق رتابة الواقع، إذ يقول في تلك القصة ممهداً لهذا الوعي الجديد:«رأيت أصواتاً وسمعت روائح لا حصر لها، وفجأة وسط هذا كله رأيتها… فارعة الطول، قمحية لا كالقمح الذي نعرفه… تراها فلا تشبع.

قلت لنفسي: هذه فتاة طارت عصافيرها… وإذا التفتت، هربت الشوارع من حفرها والروائح النتنة من أماكن بيع اللحوم، وهربت ذاكرتي إلى مستقبل أتمناه».

إن القلق في تجربة هؤلاء الكتاب يمثل محركاً إبستيمولوجياً يبحث عن الإنسان المجرد، وهو مفهوم يقترب من الرؤية السارترية التي ترى أن الإنسان محكوم عليه بالحرية؛ وبناءً على ذلك، فإن هذا الجيل لا يسعى لتقديم إجابات مريحة، بل يحرث في أرض الأسئلة الوجودية الكبرى، محولاً التشظي من حالة ضعف انكساري إلى قيمة جمالية ومعرفية فريدة.

إن جيل القلق بهذا المعنى هو الجيل الذي استطاع أن يرمم الهوية السودانية بمداد التساؤل، جاعلاً من الكتابة فعل تحرر دائم يرفض الركون إلى اليقينيات الزائفة، ويؤسس لوعي جديد يواجه تحديات الراهن والمستقبل بصدق فني فذ، ولغة منفتحة تدهش القارئ بقدر ما تخلخل طمأنينته.

hishamissa.

issa50@gmail.

com.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك