الهواء عليل وشمس الصباح تشرق على السطح المطل على المدينة.
تقف المراسلة متحمسة قبالة الكاميرا، خلفها أكفٌّ تتلاقى بروية، وأيدٍ ترتفع للسماء، ومؤخرات تتأرجح في الهواء، وأرجل تتدلى من الأعلى.
إنّه يوم اليوغا العالمي، وقناة أي 24 نيوز الإسرائيلية تغطي مشاركة منظمة إخوة في اليوغا في تل أبيب من خلال جلسةٍ صباحيةٍ مع جنود الجيش الإسرائيلي الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة المرتبط بالخدمة العسكرية.
سلّطت القناة الإسرائيلية، في تقريرها الذي عرض الأحد، الضوء على نشاط جمعية إخوة في اليوغا التي تأسّست عام 2021، وتوسّع نشاطها عقب الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر/ تشرين الأوّل 2023، بهدف إعادة تأهيل الجنود نفسياً وجسدياً من خلال تعليمهم اليوغا وتقنيات التأمل، مشيرةً إلى" زيادة الوعي" حول اضطرابات ما بعد الصدمة وضرورة التعامل معها.
الجنود الذين قضوا الأعوام الماضية بممارسة القتل الجماعي، وتجريف الأحياء وتدمير القرى، ونهب البيوت و" تعفيشها"، واستهداف الفرق الصحافية والطبية في أكثر من بقعة جغرافية، عُرضةٌ للاضطرابات والصدمات أيضاً.
هذا مفهوم فهم بشر في نهاية المطاف، قد يتأثرون بمقتل رفاقهم، أو ترعبهم أصوات القذائف، وربّما، ربّما، تؤرّق بعضهم أحياناً أشباح ضحاياهم فتحرمهم النوم.
لكن يصعب تصديق أن الجندي الذي يصوّر نفسه وهو يفجّر بيتاً ويرقص مرتدياً ثياباً نسائية مسروقة وينشر كل ذلك على" تيك توك" حساسٌ إلى درجةٍ يصاب معها باضطراب ما بعد الصدمة نتيجة" ردة الفعل العالمية على الحرب والوضع في إسرائيل"، كما قالت معدّة التقرير.
وفي حين أن محور التقرير هو جنود جيشٍ تلاحقه اتهامات بارتكاب إبادة جماعية في غزة، حافظت المراسلة على طابع توعويٍ لرسالتها، لافتةً إلى أن أحد أهداف الجمعية المتعاونة مع الجيش نقل هذه التقنيات إلى الجنود بشكل استباقي، قبل أن تتقمص دور اختصاصي نفسي مشيرة إلى أن" السابع من أكتوبر فتح جروحاً لم تشفَ لدى جنود كانوا في وضعيات مشابهة خلال الانتفاضة الثانية، وحرب لبنان".
ومن ثمّ عرضت شهادة جندي يحكي كيف ساعدته اليوغا على التعامل مع" معاناته وعذابه بعد السابع من أكتوبر" وانتقاله إلى مساعدة زملاء آخرين له في الجيش على مواجهة صدماتهم.
يحتفي التقرير بإسرائيل التي تشارك مع بقية العالم في الاحتفال بـ" يومٍ مهم" على الرغم من" مرورها بالكثير من الصعاب"، ويصير المشاهد مدعواً للتعاطف مع" إخوة اليوغا" وزملائهم الذي يواصلون احتلال غزة والضفة الغربية وأجزاء من لبنان وسورية.
الجندي الإسرائيلي هنا كنظيره الأميركي في أفلام هوليوود، التي صوّرت المعاناة النفسية للجنود الأميركيين الذين شاركوا في حرب فيتنام أو اجتياح العراق.
يصير العسكري القادم من وراء المحيطات والمدجّج بأقوى الأسلحة وأحدث القنابل مسكيناً يستحق التعاطف بسبب معاناته من الصدمات، فيما يغيب ضحايا هذه الحروب الأميركية تماماً عن الصورة.
كبقيّة وسائل الإعلام الإسرائيلية، تجاهلت" أي 24 نيوز" أي إشارة إلى ضحايا هؤلاء الجنود من الفلسطينيين الذين يعيشون تحت احتلال" إخوة اليوغا" في غزة، وحوّلتهم من مقاتلين منخرطين في أعمال عسكرية تصنف في خانة جرائم الحرب ليصيروا أشبه بأفراد فرض عليهم اختبار تجارب شخصية مروعة، وهم يكافحون اليوم لمواجهتها والتغلّب عليها بالتأمل واليوغا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك