تُكسَر زينب دياب من الداخل وتُعذَّب وتُغتَصب، في واحد من أكثر المشاهد خشونةً في السينما العربية، وليس ثمّة ممثلة كان يمكنها أداء ذلك بواقعيّته ودلالاته السيكولوجية والرمزية غير سعاد حسني، ذلك الوجه المليح الضاحك، كأنما هو مهرجان فرح في الأرياف، والذي يمكنه في ثوانٍ التحوّل إلى وجه آخر لشابة تُكسر من الداخل وتُهان وتُنتهك.
وحدهما عيناها كانتا تقولان ذلك وأكثر.
في" الكرنك"، تقدّم سعاد حسني التي مرّت ذكرى وفاتها (أو مقتلها) الخامسة والعشرون قبل أيام، واحداً من أهم أدوارها، وليس أفضلها بالطبع، وثمّة من ذهب به الظن، فأخطأ بأن دورها في الفيلم المأخوذ عن كرنك نجيب محفوظ، يقدّم سعاد حسني أخرى، مضادّة للتي شاهدناها في" خلّي بالك من زوزو"، (اسمها في الفيلمين زينب): الفتاة المثالية، المتفائلة والمقبلة على الحياة، التي تكتسح الشاشة رقصاً وغناءً، بخفة ظلٍّ نادرة، صنعت أسطورتها.
لكن قراءة متفحّصة وسابرة لدوريها في الفيلمين تخلُص إلى تقاطعاتٍ جوهرية بينهما، ومن المذهل أن تكون ذروة أدائها فيهما هي في مشاهد انكسارها أو محاولات إهانتها وإذلالها.
في الفيلمين، تؤدّي سعاد حسني دور الطالبة الجامعية، البريئة، المندفعة وراء أحلامها، ابنة حارة دعبس في" الكرنك" وشارع محمد علي في" خلّي بالك من زوزو" التي تصطدم بواقعٍ يرفضها، أو على الأقل يتردّد في قبولها، وثمّة ذلك الإذلال الفردي في" الكرنك"، حيث هندسة القمع السياسي في ذروتها في مصر الستينيات، وذلك الإذلال الرمزي المتعمّد لإرث الستينيات نفسه في" خلّي بالك من زوزو"، بالتزامن مع الانفتاح وانتقال مركز الترفيه من شارع محمد علي إلى شارع الهرم في حقبة السادات.
في لحظات التحوّل هذه، من مصر القامعة التي لا تنتصر وتحقق ما سُميت معجزة العبور (الانتصار في حرب 1973) إلا عندما تراجع أخطاءها وتمنح شعبها بعض الحرّيات، في مصر نفسها التي تتحوّل فيها الفنون وتُبتذَل، وتُهان الطبقات القديمة غير المرتبطة بالغرب.
في مثل هذه اللحظات المفصلية، تبدع سعاد حسني في تمثّل كل تلك التعقيدات وانعكاساتها على المصري" الصغير"، البريء، الذي يريد تحرير بلاده من القمع لتنتصر على العدو، أو المصري الطموح الذي يبحث عن مكانٍ يفترض أن تتيحه له" الثورة" أو وعودها، فيُخفق بل يُهان ويُذلّ، لأن بنية المجتمع نفسه، لا السلطة وحسب، لم تتغيّر، وإن تغيّرت فإلى الأسوأ.
في مشهد الحفل في الفيلا الذي غدا كلاسيكياً بامتياز وارتفع بمستوى" خلّي بالك من زوزو" نفسه، تتعرّض نعيمة الألماظية (تحية كاريوكا) والدة زينب (سعاد حسني) للإذلال خلال فقرتها الراقصة، بأن يسخر منها شبّان الطبقات الجديدة وهم يرقصون على إيقاع موسيقى غربية، فتتقدّم زينب بعد أن كُسرت لتقاوم وتلملم كسورها، فتكتسح الصالة راقصة بدلاً من أمها، وثمة تلكما العينان اللتان تتناوب في نظراتهما مشاعر الانكسار والرغبة في التحدّي، وهو ما لا تفعله سوى سعاد حسني.
فعلت هذا في أدوار كثيرة بالمناسبة، كأن ذلك جوهريّ في مسيرتها وحياتها، حتى لو اختلفت الشخصيات التي تؤديها.
في" أميرة حبّي أنا"، وهو متواضع المستوى، وتحديداً عندما يُكتشَف زواجها بالسر من زميلها في العمل الذي لا يدافع عنها أمام مديره، والد زوجته (المعلنة) في الوقت نفسه، ثمّة ذلك المشهد وهي تلملم روب النوم حول جسدها.
ألا يشبه ذلك مشهدها في" الكرنك" وهي تلملم قميصها الأصفر وتشدّه على جسدها لتستر عريها بعد اغتصابها؟هذا التناوب ما بين الانكسار فالمقاومة في نظرات العينين هو نفسه ما يحدث لكن على مستوى آخر، عندما تتغيّر ملامح وجهها من البراءة إلى الفتنة والإغواء في مرايا صلاح أبو سيف ويوسف شاهين، وتحديداً في دوري فاطمة في" الزوجة الثانية"، وشريفة في تحفة شاهين" الاختيار"، حيث الموهبة المذهلة لسعاد حسني التي ما زالت حاضرة رغم ما قيل عن" كسرها" في لندن ورميها من شرفة الشقة التي كانت تقيم فيها هناك قبل 25 عاماً.
كأنما أدوارها كلها كانت مجرّد استعادات لحيوات أخرى لها أو لاحتمالاتها، كأنما السينما مرآتها التي عندما ننظر إليها نراها، بتلكما العينين الفاتنتين، لكن الحزينتين، وهي تجرّنا إلى فخاخها: " خلّي بالك".
إنها سعاد حسني التي لا تتكرّر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك