لم تقتصر دلالات الاحتجاجات التي شهدتها مدينة القامشلي خلال الأيام الماضية على بعدها الخدمي المرتبط بأزمة المحروقات وتوقف توريد المازوت الخدمي، بل فتحت الباب أمام تساؤلات أوسع تتعلق بمستقبل المشهد السياسي في مناطق شمال وشرق سوريا، في وقت تتسارع فيه خطوات الاندماج بين مؤسسات الإدارة الذاتية والحكومة السورية، بالتزامن مع تحركات خارجية أجراها قائد قوات قسد مظلوم عبدي في عدد من العواصم الأوروبية.
وشهدت القامشلي احتجاجات تخللها قطع طرق وإحراق إطارات، احتجاجاً على ارتفاع أسعار المحروقات وانعكاس ذلك على تكاليف النقل وأسعار الكهرباء المولدة عبر المولدات الخاصة، وسط موجة حر تشهدها المنطقة وتفاقم أزمة توفر المياه، وطالب المحتجون بإيجاد حلول عاجلة لأزمة المحروقات وضبط الأسعار وتأمين المازوت المخصص للمولدات ووسائل النقل.
وجاءت هذه الاحتجاجات بعد أسابيع من تصاعد الجدل حول أسعار المحروقات في مناطق شرقي سوريا، ولا سيما مع بدء خطوات الدمج في قطاع النفط بين الحكومة السورية والإدارة الذاتية.
وكانت احتجاجات مماثلة قد خرجت مطلع الشهر الجاري في ريف الحسكة الجنوبي اعتراضاً على تفاوت أسعار المازوت بين مناطق مختلفة، حيث تحدث محتجون حينها عن ارتفاع سعر المادة في مناطقهم مقارنة بمناطق أخرى.
وتزامنت التطورات الميدانية والخدمية مع حراك سياسي متسارع تشهده المنطقة منذ أشهر، على خلفية اتفاقات الاندماج بين الحكومة السورية وقسد، وما تبعها من خطوات تنفيذية في عدد من المؤسسات المدنية والعسكرية، الأمر الذي دفع مراقبين إلى ربط الاحتجاجات الجارية بالسياق السياسي الأوسع الذي تمر به المنطقة، لا سيما مع استمرار الجدل حول مستقبل الإدارة الذاتية وشكل العلاقة النهائية بين" قسد" والحكومة السورية.
ويرى الناشط السياسي" فراس سرديني"، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن" الاحتجاجات الأخيرة في القامشلي لا يمكن فصلها عن حالة التململ الشعبي المتراكمة في المنطقة خلال السنوات الماضية"، موضحاً أن الأزمات الخدمية والاقتصادية المتكررة باتت تلعب دوراً متزايداً في تشكيل موقف الشارع من الإدارة المحلية.
ويقول سرديني إن" الاحتجاجات الأخيرة تعكس جانباً من حالة السخط المتنامية المرتبطة بالواقع المعيشي، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن وجود نقاش أوسع داخل المنطقة حول طبيعة الإدارة المحلية وآليات اتخاذ القرار وتوزيع الموارد، خصوصاً في ظل المتغيرات السياسية التي تشهدها مناطق شرق سوريا".
وبحسب سرديني، فإن جزءاً من الانتقادات الموجهة للإدارة الذاتية لا يرتبط فقط بالأزمة الحالية، بل يعود إلى ملفات تراكمت خلال السنوات الماضية، تتعلق بتمثيل المكونات المحلية وإدارة الموارد والخدمات العامة، وهو ما يظهر بصورة أوضح في بعض المناطق ذات الغالبية العربية.
ويتابع أن الاحتجاجات الحالية لا تعني بالضرورة انهيار نفوذ الإدارة الذاتية أو فقدانها السيطرة على المنطقة، إلا أنها تمثل مؤشراً على تراجع مستوى الرضا الشعبي مقارنة بمراحل سابقة، الأمر الذي قد ينعكس على موقعها السياسي خلال المفاوضات الجارية مع الحكومة السورية.
ويشير إلى أن أهمية هذه الاحتجاجات لا تكمن فقط في المطالب الخدمية التي رفعتها، وإنما أيضاً في توقيتها، إذ تأتي في مرحلة تشهد فيها المنطقة إعادة ترتيب للعلاقات السياسية والإدارية والأمنية، ما يمنح أي حراك شعبي أبعاداً تتجاوز مطالبه المباشرة.
وخلال الأسابيع الماضية، برزت جولة قائد قوات قسد مظلوم عبدي في الخارج بوصفها إحدى أبرز المحطات السياسية المرتبطة بهذا الملف، وبدأت الجولة من أربيل، حيث أعلن عبدي عبر حسابه الرسمي على منصة" إكس" أنه التقى المبعوث الأميركي إلى سوريا والعراق توم باراك ورئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني.
وقال عبدي إن اللقاء تناول" الخطوات المعمول بها لدمج قواتنا والإدارة الذاتية في الحكومة السورية، ومتابعة تنفيذ الاتفاقات بما يعزز المسار السياسي والاستقرار"، مضيفاً أن النقاش شمل أيضاً دعم جهود مكافحة الإرهاب ودفع الحل السياسي الشامل في سوريا بما يضمن مشاركة جميع المكونات في الحكومة وصياغة مستقبل البلاد.
كما أشار إلى الدور الذي يؤديه إقليم كردستان العراق في دعم الحوار بين الأطراف المختلفة وتعزيز الاستقرار الإقليمي، في وقت ما يزال فيه ملف الاندماج بين قسد والحكومة السورية يواجه عدداً من القضايا العالقة المتعلقة بالشقين الإداري والعسكري.
وبعد محطة أربيل، انتقل عبدي إلى إيطاليا ثم فرنسا ضمن جولة أوروبية أثارت نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية السورية، خصوصاً أنها جاءت في وقت ما تزال فيه عملية الدمج تسير ببطء على الأرض، بالتوازي مع استمرار وجود مؤسسات الإدارة الذاتية وقوات" قسد" في أجزاء واسعة من شمال وشرق سوريا.
وأثارت الجولة جدلاً بعد الحديث عن أن الزيارة تمت من دون تنسيق مسبق مع الحكومة السورية، في حين رأى آخرون أن عبدي ما يزال يقود قسد خلال المرحلة الانتقالية الحالية، وأن الاتفاقات المعلنة لم تتضمن حتى الآن حل القوات بصورة نهائية أو إنهاء مؤسسات الإدارة الذاتية بشكل كامل.
سبق أن استُقبل مظلوم عبدي في أوروبا خلال مؤتمر ميونخ للأمن في شباط الماضي بصفته شخصية سورية معنية بالملف الأمني والعسكري.
في المقابل، لم يصدر عن الحكومة السورية أي موقف رسمي بشأن الجولة الأوروبية الأخيرة، بينما اقتصر التداول الإعلامي على إشارة منسوبة إلى مصدر دبلوماسي غير مُسمى تحدث عن عدم تنسيق الزيارة مع وزارة الخارجية، وعن عدم امتلاك عبدي صفة حكومية رسمية.
ويرى الناشط السياسي فراس سرديني أن جزءاً من أهمية الجولة الأوروبية يرتبط بتوقيتها أكثر من نتائجها المباشرة، موضحاً أن قيادة" قسد" تسعى إلى الحفاظ على شبكة علاقاتها الدولية في مرحلة تعتبر من أكثر المراحل حساسية منذ سنوات.
ويقول سرديني، " التحركات الخارجية الحالية تعكس محاولة من" قسد" للحفاظ على أوراق تفاوضية تساعدها خلال المباحثات الجارية مع دمشق، خاصة في الملفات المتعلقة بالإدارة المحلية والتمثيل السياسي ومستقبل المؤسسات المدنية والأمنية في مناطق شمال وشرق سوريا".
ويضيف أن قيادة" قسد" تدرك أن مسار الاندماج يتقدم بصورة تدريجية، وأن جزءاً من القضايا الأساسية ما يزال قيد التفاوض، الأمر الذي يدفعها إلى مواصلة تحركاتها السياسية والدبلوماسية سعياً للحصول على أكبر قدر ممكن من الضمانات المتعلقة بمستقبل المنطقة.
وبحسب سرديني، فإن التحركات الأوروبية لا تعني بالضرورة وجود تحول في مواقف الدول الغربية تجاه الملف السوري، لكنها تعكس رغبة" قسد" في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الأطراف الدولية التي احتفظت بعلاقات معها خلال السنوات الماضية.
ويرى سرديني أن الاحتجاجات التي تشهدها المنطقة والحراك السياسي الخارجي الذي تقوده" قسد" لا يمكن النظر إليهما باعتبارهما مسارين منفصلين بالكامل، إذ إن كليهما يجري في بيئة سياسية واحدة تشهد إعادة ترتيب لموازين القوى والنفوذ.
ويضيف أن الاحتجاجات تعكس مطالب معيشية حقيقية ومباشرة، لكنها تتزامن أيضاً مع مرحلة تفاوضية تحاول فيها مختلف الأطراف تعزيز مواقعها وتحسين شروطها قبل الوصول إلى تسويات نهائية تتعلق بمستقبل شرق سوريا.
وتبرز العلاقة بين العشائر العربية وقسد والحكومة السورية كأحد أبرز العوامل المؤثرة في تحديد مسار المرحلة المقبلة في شرق سوريا، ومع تقدم خطوات الاندماج بين دمشق وقسد، عاد هذا الملف إلى واجهة المشهد في ظل تعقيدات سياسية واجتماعية وأمنية تجعل ترتيبات المنطقة أكثر حساسية وتشابكاً.
وخلال السنوات الماضية، مرت العلاقة بين العشائر العربية وقسد بمراحل متعددة اتسمت بالتعاون أحياناً والتوتر أحياناً أخرى، فبعد سيطرة قسد على مساحات واسعة من محافظات الحسكة والرقة ودير الزور بدعم من التحالف الدولي، سعت إلى إشراك شخصيات وقوى عشائرية ضمن المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة لها، إلا أن ذلك لم يمنع بروز اعتراضات متكررة من شخصيات وفعاليات عشائرية اعتبرت أن مستوى المشاركة في إدارة المنطقة لا يتناسب مع الثقل السكاني للعشائر العربية.
ومع مرور الوقت، تحولت بعض هذه الاعتراضات إلى توترات ميدانية في أكثر من منطقة، ولا سيما في دير الزور التي شهدت خلال السنوات الماضية مواجهات واضطرابات أمنية على خلفيات مختلفة، من بينها ملفات الإدارة المحلية وتوزيع الموارد والتمثيل داخل المؤسسات القائمة.
وفي المقابل، كانت الحكومة السورية تتابع هذه التطورات بوصفها جزءاً من المشهد الذي تسعى إلى استعادته تدريجياً من خلال مسار الاندماج والتفاهمات الجارية مع قسد، ومع بدء هذا المسار، بدأت تظهر ملامح معادلة جديدة تختلف عن تلك التي حكمت المنطقة خلال السنوات الماضية.
ويرى الناشط السياسي فراس سرديني أن العلاقة بين الأطراف الثلاثة دخلت مرحلة مختلفة بعد الاتفاقات المعلنة بين دمشق وقسد، موضحاً أن النقاش لم يعد يقتصر على مسائل النفوذ العسكري أو الأمني، بل بات يتعلق بشكل الإدارة المستقبلية للمنطقة وموقع كل طرف داخلها.
ويقول سرديني، إن" العشائر العربية تنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها فرصة لإعادة طرح مطالب قديمة تتعلق بمستوى المشاركة في إدارة المنطقة والاستفادة من مواردها، في حين تحاول" قسد" الحفاظ على جزء من المكاسب السياسية والإدارية التي حققتها خلال السنوات الماضية، بينما تسعى الحكومة السورية إلى استعادة إدارة المؤسسات والموارد الاستراتيجية ضمن إطار الدولة.
ويضيف أن ملف النفط يحتل موقعاً مركزياً في هذه المعادلة، نظراً إلى أن الجزء الأكبر من الثروة النفطية السورية يقع ضمن مناطق شمال وشرق البلاد، ومع بدء خطوات الدمج في هذا القطاع، برزت أسئلة تتعلق بآليات الإدارة والعوائد المالية وطبيعة الصلاحيات التي ستمنح للإدارات المحلية خلال المرحلة المقبلة.
ويرى سرديني أن هذا الواقع الانتقالي يفسر جانباً من التوترات القائمة حالياً، إذ ما تزال المنطقة تعيش بين منظومتين إداريتين وسياسيتين لم تكتمل عملية دمجهما بصورة نهائية حتى الآن، الأمر الذي ينعكس على عدد من الملفات الخدمية والاقتصادية.
وفي الوقت ذاته، يشير إلى أن العشائر العربية تراقب هذه التحولات عن كثب، خاصة أن نتائجها ستنعكس بصورة مباشرة على شكل الإدارة المحلية والتمثيل السياسي خلال السنوات المقبلة، ولذلك تحاول القوى العشائرية تثبيت حضورها في النقاشات المتعلقة بمستقبل المنطقة وعدم الاكتفاء بدور المتلقي للقرارات التي يتم التوصل إليها بين الأطراف السياسية والعسكرية.
ويضيف أن الاحتجاجات الأخيرة في القامشلي لا يمكن فصلها عن هذا المشهد العام، لأنها جاءت في لحظة تشهد فيها المنطقة إعادة توزيع للأدوار والصلاحيات، بالتوازي مع استمرار النقاش حول مستقبل المؤسسات المحلية وآليات إدارة الموارد والتمثيل السياسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك