لم تعد الاختناقات المرورية في دمشق تقتصر على الشوارع الرئيسية والمحاور الحيوية، بل امتدت خلال السنوات الأخيرة إلى الحارات والأزقة الفرعية داخل الأحياء السكنية المكتظة، لتتحول مداخل هذه الحارات الضيقة إلى نقاط ازدحام ومشادات يومية بين السائقين.
ويعزو سكان وسائقون هذه الظاهرة إلى غياب الشاخصات المرورية التوضيحية في عدد من المواقع، وعدم التزام بعض السائقين باللافتات الموجودة في مواقع أخرى، ما جعل تنظيم حركة المرور داخل الأزقة السكنية رهناً بالاجتهادات الفردية والخلافات حول أحقية المرور.
وتنعكس هذه المشكلة بصورة مباشرة على حياة السكان اليومية، إذ يعتمد تنظيم السير عند مداخل الحارات الضيقة على وجود لوحات مرورية واضحة تحدد إن كان الدخول مسموحاً أو ممنوعاً، مع وجود إشارات مماثلة في الجهة المقابلة، بما يضمن انسيابية الحركة ويمنع التضارب بين المركبات القادمة من الاتجاهين.
وفي ظل غياب هذه اللوحات في بعض المواقع، أو تجاهلها في مواقع أخرى، باتت حركة المرور داخل عدد من الحارات متروكة لتقدير السائقين، الأمر الذي يؤدي عند التقاء مركبتين في زقاق لا يتسع إلا لسيارة واحدة إلى نشوب خلافات حول أولوية المرور، تنتهي أحياناً بإغلاق الحارة بالكامل وتأخير الموظفين والطلاب وسكان المنطقة عن الوصول إلى وجهاتهم.
فوضى وعناد في الأزقة.
شهادات من سكان دمشقخلف الأرقام والإجراءات الرسمية، تبرز قصص يومية يرويها سكان دمشق وسائقوها عن تأثير هذه الأزمة على حياتهم اليومية، حيث تتحول الاختناقات المرورية في كثير من الأحيان من مجرد عرقلة لحركة السير إلى مشادات كلامية تستنزف الوقت والأعصاب.
في حي باب سريجة، الذي يشهد حركة نشطة بسبب الأسواق الشعبية والمحال التجارية المنتشرة فيه، يقول السكان إن الحارات الفرعية أصبحت مسرحاً يومياً للخلافات بين السائقين.
وتقول أم رأفت، وهي من سكان إحدى الحارات الفرعية في المنطقة، إن المشادات المرورية أصبحت جزءاً من المشهد اليومي في الحي، موضحة أن الازدحام يتكرر بشكل مستمر بسبب عدم التزام بعض السائقين باللافتات المرورية التي تحدد اتجاه الحركة داخل المداخل الضيقة.
وأضافت في حديثها لموقع تلفزيون سوريا: " المشادات لا تكاد تهدأ في حارتنا، والازدحام مستمر لأن كثيراً من السائقين لا يلتزمون باللافتات التي تحدد اتجاه السير.
وأعتقد أن المشكلة لم تعد تتعلق بوجود اللوحات المرورية فقط، بل أصبحت هناك حاجة إلى وجود عنصر مرور في بعض المداخل المزدحمة لضبط المخالفات وتنظيم الحركة".
من جانبه، يرى أبو أحمد أن جانباً من المشكلة يرتبط بضعف الوعي المروري لدى بعض السائقين، مشيراً إلى أن وجود الإشارات وحده لا يكفي إذا لم يكن هناك فهم لمعانيها والالتزام بها.
وقال: " الازدحام موجود باستمرار في الحارات الفرعية، وحتى في المواقع التي توجد فيها لوحات مرورية، فإن المشكلة تبقى قائمة لأن كثيراً من السائقين لا يعرفون كيفية قراءة هذه الإشارات أو فهم مدلولاتها".
أما محمد، وهو سائق سيارة أجرة يعمل في دمشق منذ أكثر من عشرين عاماً، فيؤكد أن الأزمة تؤثر بشكل مباشر على عمله ودخله اليومي.
وأضاف: " ألتزم بالإشارات المرورية وقواعد السير قدر الإمكان، لكن ذلك لا يمنع تأخري المتكرر عن عملي بسبب الاختناقات التي تشهدها الحارات الفرعية، حيث تتكرر المشكلة ذاتها صباح كل يوم تقريباً".
مبادرة مجتمعية لكسر الجمودومع تزايد شكاوى السكان من هذه الظاهرة، برزت مبادرات محلية حاولت الإسهام في معالجة المشكلة عبر التعاون مع الجهات المعنية.
وفي حي الميدان الوسطاني بدمشق، اتخذت لجنة الحي خطوة وصفتها بأنها استباقية، عبر الاستعانة بعدد من المهندسين المتخصصين من أبناء المنطقة لإجراء دراسة ميدانية شملت الحارات والمنعطفات الفرعية التي تشهد اختناقات مرورية متكررة.
وتركزت الدراسة على تحديد النقاط الأكثر ازدحاماً واقتراح مخطط متكامل لتوزيع الإشارات المرورية والشاخصات التنظيمية بما ينسجم مع طبيعة الحارات واتجاهات الحركة فيها.
وبعد الانتهاء من إعداد الدراسة، قدمتها اللجنة إلى مديرية هندسة المرور التي قامت بدراسة المقترحات واعتمادها، قبل المباشرة بتركيب عدد من اللافتات المرورية في المواقع المستهدفة.
وبحسب اللجنة، أسهمت هذه الخطوة في التخفيف من حدة المشكلة وتقليل المشادات المرورية بنسبة تقارب 70 بالمئة في الحارات التي شملتها الدراسة.
وفي حديث خاص لموقع تلفزيون سوريا، أكد عضو لجنة حي الميدان سليمان نقاوة وجود تنسيق مباشر مع مديرية هندسة المرور لمعالجة الاختناقات التي تشهدها بعض الحارات.
وقال نقاوة إن التواصل مع مدير هندسة المرور أسفر عن تركيب عدد من الشاخصات المرورية في المداخل التي كانت تشهد ازدحاماً كبيراً وتتسبب بمشكلات يومية للسكان.
وأضاف أن المديرية قدمت وعوداً بمتابعة ملف تركيب اللوحات المرورية في حارات فرعية أخرى، إلا أن تنفيذ هذه الخطط يحتاج إلى وقت، نظراً لضرورة إجراء دراسات ميدانية لكل موقع وتجهيز الشاخصات المناسبة قبل تركيبها.
وأشار إلى وجود مساعٍ لتأمين عناصر مرور في بعض المداخل التي تشهد كثافة مرورية مرتفعة، بهدف ضبط المخالفات وتنظيم حركة السير من خلال تطبيق الغرامات المرورية على المخالفين.
" دراسات مستمرة وورشات تعمل على مدار الساعة"في المقابل، تؤكد محافظة دمشق عبر منصاتها الرسمية أن مديرية هندسة المرور تواصل تنفيذ أعمال تهدف إلى تنظيم حركة السير والتخفيف من حدة الاختناقات المرورية في مختلف مناطق العاصمة.
ووفقاً للمعطيات المنشورة من قبل المحافظة، نفذت المديرية خلال الفترة الماضية أعمال تركيب شاخصات مرورية ولوحات إرشادية وتوضيحية جديدة في عدد من المحاور الحيوية، من بينها منطقة جسر فكتوريا، كما ركبت مطبات مرورية في شارع ابن عباس بهدف تنظيم حركة المركبات وتحسين انسيابية المرور.
وفي تصريح نشره الموقع الرسمي لمحافظة دمشق، قال مدير مديرية هندسة النقل والمرور المهندس ياسر محمد بستوني إن خطة المحافظة تهدف إلى تطوير قطاعي النقل والمرور في العاصمة وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين.
وأوضح بستوني أن دائرة الدراسات المرورية التابعة للمديرية تعمل على دراسة محاور المدينة وتقاطعاتها بصورة مستمرة، بهدف زيادة انسيابية الحركة المرورية وتأمين وصول المواطنين وسائقي المركبات والمشاة بأمان وسلامة.
وأشار إلى أن دائرة الورشات التنفيذية تمثل الذراع التنفيذية للمديرية، حيث تواصل عملها ليلاً ونهاراً من أجل تحسين الواقع المروري في شوارع دمشق، عبر تركيب الشاخصات المرورية ولوحات الدلالة وتزويد الطرقات بوسائل السلامة المرورية اللازمة.
ودعا بستوني المواطنين إلى الالتزام بقوانين وأنظمة السير، قائلاً: " نتمنى من المواطنين الالتزام بأنظمة وقوانين السير حفاظاً على سلامتهم الشخصية والسلامة العامة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك