شهد مجلس نواب الشعب في تونس منعرجاً قانونياً وسياسياً غير مسبوق بإعلان المصادقة رسمياً على رفع الحصانة البرلمانية عن 10 نواب، وذلك عقب جلسة عامة مغلقة خُصصت للنظر في طلبات مقدمة من القضاء التونسي تشمل 11 نائباً، لتمكينهم من المثول أمام المحاكم ومواجهة تتبعات قضائية وجزائية مختلفة.
ورأى مراقبون أن هذا الإجراء" عادي" تمهيداً لمثول هؤلاء أمام القضاء، فيما اعتبر آخرون أنه مناورة سياسية لاعادة تشكيل التوازنات السياسية في تونس.
ويشار إلى أن النواب المعنيين برفع حصانتهم البرلمانية لم يتمسكوا وعبروا عن امتثالهم للقضاء.
وتنوعت الملفات القضائية التي تطاولهم بين قضايا الحق العام، وشكايات سياسية سابقة، ومخالفات مرتبطة بالانتخابات.
في السياق، أكدت النائبة فاطمة المسدي، المشمولة بقرار رفع الحصانة البرلمانية، أن ذلك جاء بناءً على طلب شخصي تقدمت به إلى جانب عدد من زملائها النواب، موضحةً أنهم تقدموا بطلب رسمي إلى رئاسة البرلمان للتخلي عن الحصانة في قضايا محددة.
وأضافت المسدي في تصريح خاص أن" هذا الإجراء يندرج في إطار احترام المسار القضائي والتعاون مع مؤسسات الدولة".
وأوضحت أن رفع الحصانة لا يرتّب أي تأثير على صفتها النيابية أو على مواصلة أدائها لمهماتها داخل البرلمان"، مؤكدةً أنها ستواصل عملها بشكل عادي كنائبة بمجلس نواب الشعب.
وأوضحت النائبة التونسية أن" الإجراء يقتصر على تمكين القضاء من مواصلة النظر في القضية المعنية واستكمال الإجراءات القانونية المتعلقة بها"، مشيرةً إلى أنها ستبقى على ذمة القضاء وستحضر أمام المحكمة كلما اقتضت الإجراءات ذلك، معربةً عن ثقتها الكاملة في المؤسسة القضائية.
كذلك نفت وجود أي انعكاسات لرفع الحصانة على عضويتها البرلمانية، مذكّرةً بأن الدستور يحدد حالات فقدان العضوية على سبيل الحصر، ومن بينها الاستقالة أو الوفاة أو الحالات المنصوص عليها قانوناً، وهو ما لا ينطبق على وضعيتها الحالية.
وختمت المسدي بالتأكيد على أن ما جرى يمثل إجراءً قضائياً عادياً لا أكثر، ولا يمس بمهماتها النيابية أو استمرارها بممارسة مسؤولياتها داخل مجلس نواب الشعب.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)من جانبه، قال الناشط السياسي حسام بن أحمد إن" انعقاد هذه الجلسة للنظر في رفع الحصانة لم يكن مفاجئاً، إذ كان الجميع على علم مسبق بموعدها وطبيعتها السرية".
ويرى بن أحمد، الداعم لمسار الرئيس التونسي قيس سعيد، أن" هذه المبادرة جاءت بطلب من عدد من النواب الذين يرغبون في تسوية وضعياتهم القانونية ووضع حد لما يُتداول في شأن الملفات القضائية المتعلقة بهم".
وأضاف أنه وفق المعطيات المتوافرة لديه، فإن" أغلب هذه القضايا لا تتجاوز مخالفات أو أخطاء ذات طابع بسيط، ولا ترتقي في معظمها إلى ملفات خطيرة تمس المصلحة العامة".
وزاد، " اطلعت أيضاً على الوثيقة التي تم تداولها والتي تضم أسماء 35 نائباً معنيين بإجراءات رفع الحصانة، ولدي نسخة منها وأعرف هوية النواب المذكورين فيها"، مضيفاً" صحيح أن بعض الملفات تتعلق بشكاوى ذات صبغة مالية أو بقضايا تحيل، من بينها اتهامات تتعلق بعدم الإيفاء بالتزامات مالية أو مهنية تجاه بعض المواطنين، إلا أن هذه الحالات تبقى محدودة ولا تمثل جوهر الموضوع المطروح اليوم".
ومن خلال قراءته للملف، يعتبر بن أحمد أن" الجدل المثار حول هذه المسألة مبالغ فيه إلى حد كبير، وأن إجراءات رفع الحصانة في حد ذاتها تبقى آلية قانونية عادية تهدف إلى تمكين القضاء من القيام بعمله، ولا ينبغي توظيفها سياسياً أو تضخيم أبعادها خارج إطارها القانوني".
وحمّل بن أحمد رئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة المسؤولية في ما يتعلّق بعدم تمرير جميع المطالب والعرائض التي وصلته حول موضوع رفع الحصانة، قائلاً إن" مراسلات ووثائق من جهات عدة وردته، من بينها المحكمة الابتدائية ببن عروس، والمحكمة الابتدائية بتونس، إضافة إلى وثيقة صادرة عن وزارة العدل تتضمن أسماء 35 نائباً مطلوب رفع الحصانة عنهم".
وتساءل، " لماذا لم يتم عرض هذه المطالب على الجلسة العامة؟ ولماذا يتم التعامل مع بعض الطلبات من دون غيرها؟ ما هي المعايير المعتمدة في ذلك؟ "، مشيراً إلى أنه" من حق الرأي العام أن يعرف أسباب عدم إحالة هذه الملفات إلى المسار القانوني والمؤسساتي الطبيعي، وأن يتم توضيح كيفية التعامل مع جميع الطلبات الواردة من دون انتقائية".
في المقابل يقول الصحافي التونسي فطين حفصية إن" التجريد من الحصانة كإجراء قانوني لتمكين القضاء من متابعة ملفات قضائية أمر معروف ومتواتر في الممارسة البرلمانية مهما كان شكل هذا البرلمان عملاً بمقولة أن لا أحد فوق القانون، وكضمانة لإنفاذ العدالة، لكن هذا الرفع لا يعني مطلقاً الإدانة".
وأضاف أنه" في حالة النواب الـ 10 الذين لم يتمسكوا بحصانتهم في شأن ما تسرب حول الادعاء بارتكابهم مخالفات انتخابية، أعتقد أنهم غلفوا هذه الحصانة بالخطاب السياسي الرسمي السائد حول مكافحة الفساد وتكريس مبدأ المسائلة أمام الرأي العام، خصوصاً مع تتالي الانتقادات لهذا البرلمان وأدائه الوظيفي البحت".
ويرى حفصية أنه" في جانب متصل يمكن القول إنها محاولة لإحداث انشقاق برلماني محسوب على الداعمين الرئيسين لما سُمي بمسار 25 يوليو، لإعادة هندسة موازين القوة والحضور ولو جزئياً مع السلطة التنفيذية التي تنحصر بشكل كلي بيد رئيس الجمهورية وبقية الفاعلين.
وحين يصل العدد إلى 10 فإننا نظرياً أمام كتلة برلمانية تتجه نحو ضبط المجال السياسي من جديد تحت قبة البرلمان مع اقتراب الاستحقاق التشريعي الجديد، وتآكل شرعية هذه المؤسسة التي لم يصوت لها أصلاً سوى 11 في المئة من المدعوين للانتخابات".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك