يتميز مكتب ماوريسيو بوتشيتينو خلال بطولة كأس العالم لكرة القدم بشرفة مبلطة بالقرميد، تطل على منظر خلاب لشاطئ مقاطعة أورانج الشهير وامتداد واسع من المحيط الهادئ.
يتجمع راكبو الأمواج باستمرار على الشاطئ الشهير أسفل الفندق المطل على الجرف، حيث أمضى المدرب وفريقه الأمريكي الأسابيع القليلة الماضية.
وقال بوتشيتينو بابتسامة ساخرة: " الأمر ممل بعض الشيء، أليس كذلك؟ إنهم ينتظرون الموجة المثالية، لكنها لا تأتي أبدا".
بوتشيتينو ليس من النوع الذي يتفهم رغبة أي شخص في الانتظار، بل يفضل أن يكون هو من يصنع النجاح.
دفعته طاقته وطموحه من الأرجنتين إلى مسيرة كروية ناجحة في أوروبا، تلاها انتقال سريع إلى التدريب في أندية كبرى في إنجلترا وفرنسا وإسبانيا.
أمضى حياته في مواقف بالغة الأهمية، متعلما كيف يزدهر في ظل الضغط المستمر الذي تتطلبه أعلى مستويات كرة القدم.
لذا، عندما تولى هذا المدرب الطموح، المعروف بحيويته الدائمة، قيادة المنتخب الأمريكي قبل عامين تقريبا، توقع أن يجد تشكيلة وشعبا يشاركونه شغفه الجامح لتحقيق النجاح قبل انطلاق كأس العالم على أرضهم.
لكن بوتشيتينو وفريقه التدريبي فوجئوا بواقع مختلف.
وقال بوتشيتينو خلال اجتماعٍ مع وسائل الإعلام في مكتبه: " كنا سذجا للغاية عندما وقعنا العقد.
أعتقد أننا أخطأنا في تقدير الوضع بعد التوقيع.
كان الأمر أسوأ مما كنا نتصور".
ولم يسبق لبوتشيتينو تدريب أي منتخب وطني قبل توليه تدريب المنتخب الأمريكي، ورغم إدراكه للصعوبات التي تفرضها وظيفة ذات تواصل محدود مع اللاعبين، فإنه لم يتوقع حجم عملية إعادة البناء اللازمة لبرنامج لم يحقق سوى نجاحات متقطعة على الساحة الدولية.
وكان المنتخب الأمريكي قد خرج مؤخرًا من بطولة كوبا أمريكا 2024 من دور المجموعات، رغم لعبه على أرضه، مما أدى إلى إقالة المدرب جريج برهالتر.
يقول بوتشيتينو إنه ورث برنامجًا غارقا في التراخي، لا يتناسب مع حماسه الشديد.
وأضاف: " عندما وصلنا إلى هنا، تلقينا ضربة قوية، وشعرنا بالإحباط لفترة.
كنا متحمسين للغاية، فكأس العالم على الأبواب، والجميع سيرغب بالانضمام إلى المنتخب الوطني، لكن الوضع كان عكس ذلك تماما".
لكن بعد أن أدرك بوتشيتينو حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، شرع في بناء ثقافة الفريق التي كان يطمح إليها، فقد حدد اللاعبين الأكثر أهمية لنجاح المنتخب الأمريكي، وطالبهم ببذل قصارى جهدهم في هذا المشروع الذي بدأ يؤتي ثماره أخيرا في كأس العالم 2026.
واستهل فريق بوتشيتينو المونديال، المقام بالولايات المتحدة وكندا والمكسيك، بفوزين متتاليين 4 / 1 على باراجواي و2 / صفر أستراليا، ليضمن صدارة ترتيب المجموعة الرابعة ويصعد لدور الـ32 عن جدارة.
يعد هذا إنجازا تاريخيًا للمنتخب الأمريكي، الذي لم يسبق له أن بدأ مشواره بفوزين متتاليين، ولم يحقق سوى انتصار واحد في الأدوار الإقصائية طوال تاريخ مشاركاته في كأس العالم.
ويختتم المنتخب الأمريكي مبارياته بدور المجموعات بمواجهة تركيا، قبل أن يخوض مباراته في دور الـ32 بالبطولة الأسبوع المقبل.
البراعة التكتيكية التي أظهرها الفريق تحت قيادة بوتشيتينو، إلى جانب القرعة التي تبدو سهلة نسبيا، تشير بوضوح إلى أن الأمريكيين يملكون فرصة ذهبية لتحقيق أفضل إنجاز لهم في كأس العالم منذ بلوغهم الدور قبل النهائي في النسخة الأولى من المونديال عام 1930 بأوروجواي.
لكن الأمر تطلب جهدا مضنيًا على مدار الـ20 شهرا الماضية لتحقيق ذلك، كما يقول بوتشيتينو.
خسر المنتخب الأمريكي مرتين في دوري أمم كونكاكاف في مارس عام 2025، لكن بوتشيتينو رأى تقدما ملحوظا في بناء الثقافة والأسلوب اللازمين لتألق الأمريكيين على الساحة الدولية.
وواصل بوتشيتينو خططه بعد فشل المنتخب الأمريكي في الفوز بكأس كونكاكاف الذهبية في صيف العام الماضي بدون كريستيان بوليسيتش، وهو يتفق مع لاعبيه الذين اعتبروا خريف 2025 نقطة تحول حاسمة للمنتخب الأمريكي.
وتضمنت تلك الفترة مباراة ودية حماسية مع أستراليا، حيث دعا بوتشيتينو لاعبيه بين الشوطين لرفع مستوى تنافسيتهم، كما تضمن حديثه مع الفريق في نوفمبر الماضي، والذي استخدم فيه لأول مرة العبارة التي أصبحت أحد شعارات الفريق: " لماذا لا نكون نحن؟ ".
وأكد بوتشيتينو، وقد بدت عليه علامات الصدمة: " ثم قالوا.
لماذا لا نكون نحن؟ ".
كان شعارنا: " نستطيع.
إذا آمنا بقدرتنا، نستطيع.
إذا اجتهدنا، نستطيع.
إذا غيرنا طريقة تفكيرنا، نستطيع".
عبارة" لماذا لا نكون نحن؟ " تزين الجدار الخلفي لمكتب بوتشيتينو، إلى جانب العديد من الاقتباسات والأقوال الأخرى التي كتبها المدرب بخط يده: " القلب يحول الجهد إلى إيمان، وعندما يكون كل شيء مؤلما، يدفعنا القلب لنقاتل معًا"، و" عندما يؤمن الناس ببعضهم البعض، تصبح الأحلام المستحيلة ممكنة".
لقد غيّرت تجربة بوتشيتينو في الولايات المتحدة جوانبَ عديدة من شخصيته، فقد انبهر بتنوع الأذواق الأمريكية، بدءًا من مطاعم تشيك-فيل-إيه وصولا إلى متاجر هول فودز، كما نما لديه تقدير لموسيقى الريف والسول، بدءا من ليني ويلسون وإيلا لانجلي وصولا إلى تيدي سويمز.
ولا يتوقع عالم كرة القدم أن يبقى بوتشيتينو مع المنتخب الأمريكي إلى الأبد، وقد ارتبط اسمه بالفعل بتدريب أندية أوروبية قبل انطلاق المونديال الحالي.
وشدد بوتشيتينو على أن طاقمه التدريبي لم يستبعد البقاء مع المنتخب الأمريكي بعد كأس العالم، لكن هذه المناقشات سيتم تأجيلها حتى تتضح إمكانيات هذا الفريق.
وأضاف: " من الصعب وصف المستقبل أو التنبؤ به، لكن عندما تكون هنا، أعتقد أنه من الصعب الآن أن تتخيل نفسك تعيش في مكان آخر، لأننا سنفتقد هذا المكان بالتأكيد إذا غادرناه يوما ما".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك