المستقلة/- لوّح رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي بإمكان مراجعة عضوية العراق في منظمة البلدان المصدرة للنفط «أوبك» إذا لم تُرفع حصة البلاد الإنتاجية بما يتناسب مع قدراتها، في موقف قد يمنح بغداد ورقة ضغط تفاوضية، لكنه يثير مخاوف من أن تنقلب زيادة الإنتاج إلى تراجع في الإيرادات.
وقال الزيدي في مقتطف من مقابلة صحفية، تابعتها المستقلة اليوم الخميس، إن العراق لا يستطيع البقاء مقيداً بحصة لا تعكس إمكاناته، من دون أن يحدد حجم الزيادة المطلوبة أو يقدم تصوراً لتأثيرها في الأسعار والعائدات.
ويترك غياب هذه التفاصيل سؤالاً أساسياً: هل تستند الرسالة إلى حسابات سوقية دقيقة، أم تعكس ضغطاً مالياً يدفع الحكومة إلى البحث عن إيرادات سريعة؟العراق، ثاني أكبر منتج في أوبك بعد السعودية، يمتلك احتياطيات ضخمة وقدرة على رفع الإنتاج، لكنه يعتمد على النفط لتمويل الجزء الأكبر من الإنفاق العام.
وقال صندوق النقد الدولي إن سعر النفط اللازم لمعادلة الموازنة العراقية ارتفع إلى نحو 84 دولاراً للبرميل في 2024 مع توسع الإنفاق وضعف الإيرادات غير النفطية.
وتعني هذه الهشاشة أن زيادة الكميات لا تضمن زيادة الأموال.
فإذا صدّر العراق 3.
4 ملايين برميل يومياً بسعر 80 دولاراً، تبلغ الإيرادات نحو 272 مليون دولار يومياً.
ولتحقيق المبلغ نفسه عند رفع الصادرات إلى أربعة ملايين برميل، ينبغي ألا ينخفض السعر عن 68 دولاراً.
وأي هبوط أكبر سيعني بيع نفط أكثر مقابل دخل أقل.
وتتمثل وظيفة أوبك في ضبط المعروض لحماية الأسعار.
فالطلب على النفط ضعيف المرونة في الأجل القصير، ما يجعل السوق شديدة الحساسية لأي فائض.
وقد لا تكفي زيادة عراقية منفردة لإحداث هبوط حاد، لكن خروج منتج كبير من نظام الحصص قد يشجع آخرين على الدفاع عن حصصهم ويفتح الباب أمام سباق إنتاج لا يملك العراق هوامش مالية واسعة لتحمله.
كما أن قدرة بغداد على زيادة التصدير ليست مفتوحة بلا قيود.
فمعظم الخام يخرج عبر موانئ الجنوب، بينما ما تزال خطوط الأنابيب والتخزين والطاقة البحرية تمثل اختناقات فعلية.
ويعني ذلك أن رفع الحصة على الورق لا يساوي بالضرورة قدرة فورية على ضخ الكميات وبيعها.
ويواجه العراق أيضاً تحدياً في نوعية صادراته، التي يغلب عليها الخام المتوسط والثقيل مرتفع الكبريت.
وهذه الخامات تجد مشترين، ولا سيما في آسيا، لكنها تباع عادة بخصومات مقارنة بالخامات الأخف.
وعند طرح كميات إضافية بسرعة، قد تضطر شركة تسويق النفط «سومو» إلى زيادة الخصومات لجذب المصافي، بما يضغط على صافي العائد.
ولا يفتقر العراق إلى المصافي بالكامل، لكنه ما زال يحقق قيمة مضافة محدودة من برميله مقارنة بما تسمح به موارده.
فجانب مهم من صادرات المشتقات يتكون من زيت الوقود الأقل قيمة، فيما تبقى الصناعات البتروكيماوية والتحويلية دون مستوى الطموح.
لذلك قد يكون التلويح بالانسحاب مفيداً إذا اقتصر على الضغط للحصول على خط أساس إنتاجي أعلى داخل أوبك، لكنه يصبح مقامرة إذا تحول إلى قرار فعلي.
فالمشكلة العراقية ليست في قلة النفط المستخرج وحدها، بل في اعتماد الدولة عليه، وضعف التكرير، وتضخم الإنفاق.
والاختبار الحقيقي أمام حكومة الزيدي ليس عدد البراميل التي تستطيع إضافتها، بل قدرتها على زيادة العائد من كل برميل وحماية الموازنة من تقلبات السوق.
ومن دون إصلاح مالي وصناعي موازٍ، قد يبدو الانسحاب قراراً سيادياً، لكنه قد ينتهي بكلفة يدفعها العراقيون من الرواتب والخدمات والاستثمار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك