تعيش مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان وضعاً إنسانياً متأزماً بسبب خروج محطات الكهرباء والمياه عن الخدمة بعد قصفها جوياً بمسيرات قوات" الدعم السريع"، في ظل تزايد تحركات وحشود الأخيرة في محيطها، فيما يواصل الجيش تعزيز مواقعه الدفاعية داخل المدينة وحول قيادته العسكرية الرئيسة.
وبحسب مواطنين يسكنون مدينة الأبيض، فإن معظم الأسر سارعت إلى تخزين ما تيسر من مواد غذائية ووقود ومياه الشرب، في حين اتجه آخرون إلى سحب مدخراتهم النقدية خشية توقف الخدمات المصرفية أو تعطل وسائل الدفع الإلكتروني، وتفقد بعض السكان الطرق المؤدية إلى القرى المجاورة تحسباً إلى اضطرارهم إلى المغادرة بصورة مفاجئة في حال اندلاع معارك داخل المدينة.
وأدى الحصار المفروض على هذه المدينة منذ أشهر عدة إلى إغلاق عدد من الطرق الرئيسة المؤدية إليها، وتراجع حركة الإمدادات التجارية والإنسانية، مما فاقم الأزمة المعيشية مع تراجع توفر السلع الأساسية وارتفاع أسعار بعضها بنسبة وصلت إلى 300 في المئة.
وتتغذى هذه المخاوف على حجم الكارثة الإنسانية المحتملة، إذ تضم الأبيض، وفق بيان صادر عن منظمات دولية غير حكومية، أكثر من 563 ألف مدني، وتستضيف حالياً ما يزيد على 105 آلاف نازح فروا من أعمال العنف في مناطق أخرى من البلاد.
في موازاة ذلك، نفذت مسيرات الجيش أمس الأربعاء غارات جوية مكثفة وواسعة النطاق استهدفت تجمعات" الدعم السريع" في محاور استراتيجية عدة بشمال كردفان وغربها، أسفرت عن تدمير عدد كبير من المركبات القتالية والآليات العسكرية التابعة للجماعة، فضلاً عن خسائر في الأرواح، وفق مصادر عسكرية.
وشملت الغارات المناطق الواقعة شمال مدينة بارا وغربها، إضافة إلى منطقتي أم صميمة، وسودري، بولاية شمال كردفان، إلى جانب مدن الخوي والنهود وأبو زبد بغرب كردفان.
وتعد هذه العمليات الجوية، بحسب المصادر ذاتها، حلقة في سلسلة عمليات متواصلة ينفذها الجيش لقطع خطوط إمداد" الدعم السريع"، وإفشال مخططات إعادة تجميعها في المناطق التي تشهد نشاطاً مكثفاً، فضلاً عن إعاقة تقدمها براً.
وأدت المعارك المتصاعدة في إقليم كردفان منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى نزوح أكثر من 132 ألف شخص، فيما تستمر موجات النزوح مع اتساع رقعة القتال، وفق بيانات منظمة الهجرة الدولية.
في محور النيل الأزرق، أعلن القائد الثاني للمجموعة الرابعة التابعة لـ" الدعم السريع" في إقليم النيل الأزرق القيادي ضيف الله آدم، انشقاقه رسمياً عن صفوفها، في خطوة تعد الأولى من نوعها في هذا المحور الاستراتيجي.
واعتذر آدم بصورة علنية عن الانتهاكات كافة التي ارتكبتها الجماعة، داعياً رفاقه السابقين إلى إلقاء السلاح والانضمام إلى الجيش، وبين أن المعركة التي تتبناها" الدعم السريع" فقدت" بوصلتها الوطنية والأخلاقية".
وكشف القائد المنشق عن تفاصيل مخطط دولي يثير الريبة حول تحركات قوات الدعم، إذ أكد وجود جسر لوجستي لنقل المقاتلين الأجانب، مشيراً إلى أن العملية تبدأ بنقل المقاتلين جواً من مدينة نيالا بجنوب دارفور إلى مطار" أم جرس" في تشاد، ومن ثم إلى إثيوبيا، وصولاً إلى مدينة أصوصا، ليتم نقلهم بعدها عبر حافلات إلى منطقة يابوس السودانية، إذ يجري تسليحهم وتجهيزهم لشن هجمات على إقليم النيل الأزرق.
أما في محور دارفور، فأكد متطوعون في العمل الإنساني أن غارات جوية أدت إلى احتراق أجزاء واسعة من سوق بلدة الصياح الواقعة شمال شرقي مدينة مليط بولاية شمال دارفور، فضلاً عن مقتل وإصابة عدد من المدنيين.
وتقع محلية مليط تحت سيطرة" الدعم السريع"، حيث يعيش المدنيون أوضاعاً أمنية مضطربة، ويعانون عدم انتظام سلاسل الإمداد والقوافل التجارية والإنسانية خلال الأشهر الأخيرة.
وبحسب هؤلاء المتطوعين، فإن الإحصاءات تفيد بأن عدد الضحايا بلغ 14 شخصاً، مشيراً إلى أن محلية مليط وصولاً إلى مناطق في تخوم محلية المالحة تحولت إلى ساحة للطائرات المسيرة الفتاكة التي تحول حياة المدنيين إلى جحيم.
وتعتبر هذه السوق المركز التجاري والاقتصادي والخدمي لأكثر من 70 قرية حول محلية مليط، وتقع في الاتجاه الشمالي الشرقي، كما تعتمد بصورة أساسية على السلع القادمة من الولاية الشمالية وليبيا وتشاد.
وتزامنت الغارات الجوية وهجوم سوق" الصياح" في محلية مليط بولاية شمال دارفور، مع تحشيد عسكري بين الجيش و" الدعم السريع" حول مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان.
وتحول الشريط الممتد من تخوم شمال كردفان وحتى شمال دارفور إلى ساحة تشهد نشاطاً مكثفاً للطيران المسير بين الجيش و" الدعم السريع" خلال الأشهر الأخيرة، بالتزامن مع تراجع حدة المواجهات البرية المباشرة.
ويرى مراقبون عسكريون أن هذا الشريط هو المسار الذي تستخدمه" الدعم السريع" لإيصال الامدادات الحربية والمقاتلين إلى شمال كردفان، لذلك تحول إلى ساحة للطيران المسير.
في المحور نفسه، أشارت شبكة أطباء السودان أمس الأربعاء إلى ارتفاع عدد الوفيات بين المدنيين المحتجزين في سجن دقريس التابع لـ" الدعم السريع" بمدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور إلى أكثر من 215 شخصاً خلال شهري مايو (أيار) ويونيو (حزيران).
وأفادت الشبكة في بيان بأن المعلومات التي تلقتها من مصادر ميدانية تشير إلى أن الوفيات نتجت من تفشي الأمراض والأوبئة، إلى جانب التعذيب وسوء المعاملة، في ظل ظروف احتجاز تفتقر إلى أبسط مقومات الرعاية الصحية والإنسانية.
وتابع البيان أنه" استناداً إلى تقرير أعدته الشبكة في شأن أوضاع المعتقلين في سجن دقريس، أن 31 معتقلاً، بينهم أطفال، نقلوا إلى مستشفى نيالا، على رغم أنهم لم يكونوا يعانون أمراضاً تستدعي نقلهم، إذ إن مصيرهم لا يزال مجهولاً".
ودان البيان الانتهاكات في حق المدنيين، كما دعا إلى الوقف الفوري للاحتجاز القسري، والسماح للمنظمات الإنسانية والطبية بالوصول إلى أماكن الاحتجاز، والكشف عن مصير جميع المعتقلين، لا سيما الذين نقلوا من سجن دقريس إلى مستشفى نيالا ولم يعودوا للآن، كذلك طالب البيان بتوفير الرعاية الطبية للمحتجزين المرضى والمصابين.
وحثت الشبكة المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإنسانية على ممارسة ضغوط على قيادة قوات" الدعم السريع" لحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وفقاً للقوانين والمواثيق الدولية.
ويعد سجن دقريس أحد أكبر مراكز الاحتجاز في دارفور، إذ يضم أعداداً كبيرة من المدنيين المحتجزين منذ اندلاع الحرب، وسط تقارير متكررة عن تردي الأوضاع الصحية والإنسانية داخله، وصعوبة وصول المنظمات الإنسانية والطبية إلى المعتقلين.
اقتصادياً، ناقش مجلس السيادة السوداني أمس الأربعاء سبل معالجة التحديات الاقتصادية، بما في ذلك إجراءات استقرار سعر صرف العملات الأجنبية، وسط تحسن طفيف في قيمة الجنيه.
وجرى تداول الدولار الواحد في الأسواق الموازية عند 4800 جنيه سوداني، بعد أن بلغ أعلى مستوى له عند 5800 جنيه قبل يومين.
وجاء التراجع بعد أنباء بضخ بنك السودان المركزي مبالغ من النقد الأجنبي للمصارف التجارية، لتغطية احتياجاتها من العملات الصعبة.
وأوضح مجلس السيادة في بيان أن" رئيس المجلس وقائد الجيش عبدالفتاح البرهان ترأس اجتماعاً عقد في القصر الرئاسي بالخرطوم، تداول عدداً من القضايا الوطنية والملفات ذات الأولوية المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية والأمنية والخدمية"، وتابع البيان" استعرض الاجتماع أوضاع الخدمات الأساسية وجهود الدولة لمعالجة التحديات الاقتصادية، مع التركيز على الإجراءات الرامية إلى استقرار سعر صرف العملات الأجنبية والحد من انعكاساتها على الأوضاع المعيشية للمواطنين، كما جرى أيضاً بحث مسار الحوار السوداني ـ السوداني، وتجديد دعم كل المبادرات الوطنية الهادفة إلى تحقيق التوافق بين السودانيين وصولاً إلى رؤية وطنية مشتركة تخدم مصالح البلاد".
وطالب مجلس السيادة بضرورة الإسراع في تنفيذ الترتيبات الأمنية، واستكمال عمليات دمج مقاتلي الجماعات المسلحة في الجيش، وفقاً للخطط الموضوعة.
وكان البرهان أعلن في الـ26 من مايو (أيار) الماضي ترتيبات تجرى لإطلاق حوار سياسي يعقد في الداخل، يجري التوافق خلاله على استكمال الانتقال المدني الديمقراطي، من دون أن تتبع ذلك إجراءات فعالة لتهيئة المناخ السياسي.
وبعد هذا الإعلان، توصلت تحالفات سياسية إلى تفاهمات أولية في شأن العملية السياسية، بما في ذلك تشكيل لجنة تحضيرية تتولى ترتيبات إجرائها، خلال مشاورات يسرتها الآلية الخماسية المؤلفة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي ومنظمة إيغاد وجامعة الدول العربية.
وعلى رغم أن المشاورات حققت اختراقاً في مواقف التكتلات السياسية، فإن الخلافات حول مشاركة الحركة الإسلامية وواجهاتها السياسية، وتحالف" تأسيس" الذي تقوده قوات" الدعم السريع"، لا تزال قائمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك