تتشكل رواية سومر شحادة عبر طبقتين متناوبتين، سرد إطاري عن السيد البرغي، وهو لقب ساخر يطلق على الموظف، وسرد داخلي هو فصول من رواية" عطر الليل" بضمير المتكلم، تكشف صوت ممدوح حداد المعارض السابق النادم عن الماضي.
يتلقى القارئ الروايتين معاً: الرقيب يقرأ رواية" عطر الليل"، والقارئ يقرأ رواية" السيد البرغي"، وضمنها" عطر الليل".
تقدم الرواية رؤيتها حول من يملك حق تأويل النص ومن يملك حق الحياة خارجه، وتدفع تدريجاً نحو تماهٍ بين القارئ الرقيب، والمقروء المعارض.
يقول: " توقف السيد البرغي عن القراءة، وبدأ يشعر أنه استُنزف، فالساعات التي اعتقد أنه يمتلكها كي يأخذ قراره في شأن الرواية، بدأت تنفد، وصار لديه انطباع أن ’عطر الليل‘ هذه، ترسم نهاية وجوده كموظف.
شعر بأنه يتآكل بالفعل، وما أتعبه ليست الجسارة التي ظهرت لديه، بأن ينقل الرواية إلى مسننات الآلة، لكن ما أتعبه إدراكه نهاية مصيره المهني".
تطرح" حكاية السيد البرغي" سؤالاً ملتفاً حول طبيعة الرقابة، فلا يكتفي شحادة بإدانتها أخلاقياً، بل يفحص آليتها الداخلية: ماذا يحدث حين يجبر الرقيب نفسه على أن يصبح قارئاً متمعناً، لا مجرد مصنف سريع؟ فالنظام في الرواية لا يطلب من موظفي الإصلاحية أن يحظروا الكلمات فحسب، بل ان يقرأوها أولاً بعناية كافية ليبرروا حظرها، وهذا الشرط يحمل في داخله بذرة انهياره، فالقراءة فعل لا يمكن السيطرة الكاملة على نتائجه.
وكلما أمعن السيد البرغي في تفكيك نص ممدوح حداد بحثاً عن أدلة إدانته، تسلل إليه النص من حيث لا يحسب.
الرقابة هنا لا تُهزم بفعل مقاومة خارجية، بل بفعل شرطها الخاص، إذ تستلزم الرقابة الفعالة قارئاً كفؤاً، والقارئ الكفؤ معرض دوماً لأن يتأثر بما يقرأ.
وتتجلى هذه المفارقة في تطور لغة تقارير البرغي على مدار الرواية، فهي تبدأ بثقة بيروقراطية باردة، مع عبارة" غير صالح للنشر"، ثم تتحول تدريجاً إلى لغة مترددة، مشوبة بدفاع غير معلن عن الكاتب الذي يفترض أنه يحاكمه.
ثم تصل في أحد التقارير المتأخرة إلى التوصية الصريحة بنشر كتاب ممدوح على نطاق واسع.
ويقول: " يقدم ممدوح حداد في روايته ومقالاته، مثالاً صادقاً للإنسان ذاتي الانضباط، يجب أن يقرأه الجميع، ويعرف كتبه كل رصيف.
كل إنسان".
هذا التحول يكشف عن أن الرقابة، حين تُفرض كوظيفة على إنسان له وعي، وإن كان خفياً أو مغيباً، تحمل في صلبها احتمال انقلابها على نفسها.
هذا ليس لأن الرقيب يتمرد قصداً، بل لأن الأدب يفعل ما يفترض أنه أداة وظيفية لرصده.
يتسلل إلى الذات، يطرح الأسئلة، ويعيد تشكيل وعي من يتعامل معه بجدية كافية.
بهذا المعنى، لا تقدم الرواية مرثية للكاتب المضطهد فحسب، بل تكتب أيضاً أطروحة خفية عن هشاشة كل نظام رقابي يعتمد، ولو جزئياً، على بشر قادرين على القراءة.
يحمل عنوان الرواية استعارة ضمنية، مع كلمة البرغي، في كناية عن الإنسان، الذي يمثل ترساً داخل جهاز قمعي لا روح له.
الرواية تماهي هذه الاستعارة بصرامة شبه ميكانيكية.
المكتب حديدي، الكرسي حديدي مغلف بالإسفنج، الكاميرات منصوبة فوق كل طاولة، والتقارير ترفع من الموظفين.
هذا بالتوازي مع استخدام مفردات مستلهمة من جماد الآلة: مسننات، وتروس، وتآكل، وتزييت، وطحن.
وهذه الكلمات تتسرب حرفياً إلى وصف الجسد والمشاعر، لنقرأ: " شعر بخدر مؤلم يسري في أصابعه.
ثم شعر أنها تتآكل.
حاجته إلى أن يقاوم الاستبدال".
أي إن السرد لا يكتفي بالقول إن النظام يحول البشر إلى آلات، بل يحاكي هذا التحول أسلوبياً، بإدخال معجم الميكانيكا إلى اللحظات الإنسانية.
لا يبدو الالتباس بين الرقيب والكاتب عارضاً سردياً، بل هو الشكل الذي تتخذه أطروحة الرواية الأعمق حول طبيعة السلطة نفسها.
وهذا ضمن رغبة واضحة في تجاوز الثنائية التقليدية في أدب القمع: الجلاد والضحية، أو الرقيب والمراقب.
حتى تقترب من فكرة أن السلطة القمعية لا تحتاج إلى استبدال أفرادها لتستمر، بل تحتاج فقط إلى أن تعيد تدوير معارضيها بوصفهم موظفيها المقبلين.
هذه الفكرة تتجسد بوضوح في مصير ممدوح حداد نفسه، الشاب الذي قضى سنوات شبابه هارباً من الملاحقة باسم الحرية، ينتهي به المطاف، بعد" إصلاحات" النظام، إلى التقدم طوعاً بطلب وظيفة في الجهاز ذاته الذي عارضه، كي يصبح" موظفاً صغيراً في قسم الوثائق"، أي نسخة أخرى من السيد البرغي بالضبط.
وهذا ما يفسر كلمة السيد البرغي: " ربما كنت أنا ممدوح حداد"، فهو لا يكتشف تشابهاً عرضياً بينهما، بل يلمس آلية واحدة أنتجت كليهما.
الرواية لا تقول إن الضحية تتحول إلى جلاد بفعل صدفة أو خيانة أخلاقية مفاجئة، بل تقول إن آلية القمع نفسها مصممة لتحويل الإرهاق من المقاومة إلى رغبة في الانتماء إلى السلطة.
يقول ممدوح في" عطر الليل": " الحياة تروضنا تدريجاً.
نبدأ عتاة، وفي الختام، نقفز من المركب الغارق إلى الهاوية".
العنف هنا ليس فعلاً واحداً يرتكبه طرف على طرف، بل دورة تعيد إنتاج نفسها عبر استبدال هوية الأفراد لا عبر تغيير بنية النظام.
وهو ما يجعل من السيد البرغي وممدوح حداد نسختين متعاقبتين من الشخص نفسه، أكثر من كونهما طرفي صراع.
هذا الطرح يضع الرواية في مواجهة مباشرة مع سؤال أخلاقي صعب: هل تعفي بنية القمع الفرد الذي استسلم لها من مسؤوليته الشخصية، أم أن استسلامه، مهما بدا مفهوماً إنسانياً، هو ما يديم البنية نفسها ويمنحها وقودها المتجدد؟ الرواية لا تجيب بحسم، لكنها تترك جملة ممدوح الأخيرة معلقة كاعتراف لا كتبرير: " أردت أن أصير برغياً في آلة"، إنها رغبة باطنية يعبر عنها الفرد، لا مجرد إذعان للسلطة.
يتداخل السرد، وتتهاوى الحدود بين الصوتين، إذ يفكك القمع في" حكاية السيد البرغي" الأرضية الأخلاقية التي يقيس وفقها الفرد أفعاله، إلى أن يصبح عاجزاً عن التمييز بين خيانته لذاته وحمايته لها.
يتجلى هذا التفكيك بوضوح في اعترافات ممدوح حداد المتلاحقة، فتتكرر جملة" أنا إنسان بريء" بوصفها لازمة دفاعية.
لكنها تفقد صدقيتها مع كل تكرار، إذ تتحول البراءة المعلنة إلى قناع لغوي يخفي وعياً متنامياً بالتواطؤ.
والمفارقة الأخلاقية الحادة هنا أن النص لا يصور هذا التفكك كانهيار أخلاقي صريح تمكن إدانته بسهولة، بل كمنطق داخلي متماسك ظاهراً.
فكل خطوة من خطوات الاستسلام، مثل تخلي ممدوح عن الحب، عن الكتابة المعارضة، عن الذاكرة، وصولاً إلى التقدم بطلب توظيف في الجهاز القمعي ذاته، تبرر في لحظتها بوصفها نجاة أو نضجاً أو تصالحاً مع الواقع.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)هكذا يصبح القمع، من منظور تفكيكي، آلية تبريرية تعيد تعريف مفردات الذات نفسها، البراءة، والخيانة، والنجاة، والحب، حتى تنقلب معانيها رويداً رويداً لتخدم استمرار الخضوع.
وحين يصل السيد البرغي، في خطابه الأخير لممدوح، إلى القول إن النظام لا يرى أحداً أصلاً، وإن ممدوح" من قرر أن يكون مرئياً"، فإنه يظهر كيف استكمل التفكيك الأخلاقي للشخصيتين معاً: فكلاهما، الرقيب والمعارض، انتهى إلى تبرير موقعه بلغة النظام نفسها، لا بلغته الخاصة.
تكمن قوة الرواية في رفضها أن تمنح يقيناً أخلاقياً مريحاً، بل تترك السؤال نفسه الذي بدأت به الرواية معلقاً: أيهما الأصل وأيهما الصورة؟ وهذا ليس قصوراً في الحبكة، بل هو موقف الرواية النهائي من سؤالها المركزي، بعدما قرأ السيد البرغي رواية كاملة لممدوح حداد الذي احتقره، يقول: " في الأحوال جميعها، قدمت استقالتي وعُدت حراً، القراءة حررتني، ربما بمقدور الإنسان أن يستعير مصيره، لكن ماذا عن الماضي، ربما كنت أنا ممدوح حداد".
هذه الجملة التي تسقط الحاجز الفاصل بين المراقِب والمراقَب، تترك الهويتين معلقتين عمداً.
فإذا كان القمع لا يفرض نفسه من الخارج فحسب، بل يعيد تشكيل المعنى من الداخل، فإن الخروج منه لا يمكن أن يكون مشهداً حاسماً بل مساراً مفتوحاً على واقع غامض آخر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك