لم أتخيل يومًا أن زيارة عابرة إلى قسم شرطة يمكن أن تدفعني إلى كتابة هذا المقال، فمنذ أكثر من ثلاثين عامًا تقريبًا، لم تطأ قدماي أي قسم شرطة تقريبًا، كانت آخر زيارة لي إلى أحد الأقسام عندما استخرجت بطاقتي الشخصية وأنا لا أزال طالباً في المرحلة الثانوية، ومنذ ذلك الوقت، انشغلت بالحياة والدراسة ثم العمل في الصحافة، وأصبحت أتابع من خلال الأخبار والتقارير ما تشهده وزارة الداخلية من عمليات تطوير وتحديث شملت مختلف قطاعاتها ومواقعها الخدمية، لكن المتابعة من بعيد تختلف كثيرًا عن التجربة المباشرة على أرض الواقع.
أمس، قادتني الظروف إلى زيارة قسم شرطة الزيتون، باعتباره القسم التابع لمنطقة سكني، وذلك لإجراء قانوني رسمي دخلت القسم كمواطن عادي، دون الإفصاح عن مهنتي أو هويتي الصحفية، وكانت تلك فرصة حقيقية لمعايشة التجربة كما يعيشها أي مواطن يلجأ إلى جهة رسمية لإنجاز إجراء قانوني، ولم أكن أتوقع أن أخرج بانطباع يدفعني إلى توثيق هذه التجربة.
منذ اللحظة الأولى لدخولي القسم، لفت انتباهي التنظيم الواضح وسهولة الحركة بين المكاتب المختلفة، لم أجد حالة من الارتباك أو العشوائية التي قد يتوقعها البعض، بل وجدت منظومة تسعى إلى توجيه المواطنين وإنجاز مصالحهم بأسرع وقت ممكن.
وخلال دقائق قليلة، تمكنت من الوصول إلى الجهة المختصة والاستفسار عن الإجراءات المطلوبة، حيث وجدت تعامنًا واضحًا من العاملين وحرصًا على تقديم المساعدة والإجابة عن الأسئلة دون تعقيد أو تأخير.
ما أثار انتباهي أكثر هو أسلوب التعامل الذي لمسته من الضباط وأمناء الشرطة والعاملين بالقسم، فقد غلب على المشهد الاحترام والهدوء والرغبة في إنجاز مصالح المواطنين، رغم كثرة المترددين على القسم وتنوع طلباتهم.
وخلال فترة انتظاري، التي لم تتجاوز ثلاثين دقيقة تقريبًا بسبب وجود عدد من المواطنين الذين كانوا ينهون إجراءاتهم قبلي، تابعت عن قرب طريقة التعامل مع الجمهور، لم ألحظ انفعالاً أو تضجرًا، بل وجدت محاولات مستمرة لتبسيط الإجراءات والإجابة عن الاستفسارات وتوجيه المواطنين إلى الجهات المختصة.
عندما جاء دوري، سألني أحد الضباط عن سبب الزيارة، وبعد أن أوضحت له طبيعة الإجراء المطلوب، طلب الرقم القومي، ثم وجه المختصين بإنهاء الأمر، وخلال وقت قصير، تولى أمين الشرطة المسئول عن الملف متابعة الإجراءات، بمشاركة الموظفات العاملات في المكتب نفسه، وتم إنجاز المطلوب بكفاءة وسلاسة، في مشهد يعكس روح العمل الجماعي والحرص على احترام وقت المواطنين.
ربما يعتقد البعض أن التطوير يقتصر على تحديث المباني أو إدخال التكنولوجيا، لكن ما شاهدته يؤكد أن التطوير الحقيقي يمتد إلى ثقافة العمل ذاتها، وإلى طريقة التعامل مع الجمهور، وإلى إدراك أن المواطن هو محور الخدمة.
كما لفت انتباهي مستوى النظافة والتنظيم داخل القسم، وهو ما يعكس اهتمامًا بالمظهر العام للمؤسسة بما يتناسب مع صورة الدولة المصرية الحديثة التي تسعى إلى الارتقاء بمختلف الخدمات المقدمة للمواطنين.
قد تكون زيارتي لقسم شرطة الزيتون قصيرة زمنيًا، لكنها كانت كافية لتمنحني انطباعًا مختلفًا عما كان سائدًا في أذهان كثيرين لسنوات طويلة، فقد رأيت نموذجًا يعكس جهودًا واضحة لتطوير الخدمات الشرطية، وتقديمها بصورة أكثر كفاءة وإنسانية واحترامًا للمواطن.
ومن الإنصاف أن نسجل مثل هذه التجارب الإيجابية، فالنقد مهم، لكنه لا يكتمل إلا بالاعتراف بما يتحقق من تطوير وإنجاز على أرض الواقع، وما شهدته داخل قسم الزيتون يؤكد أن مسيرة تحديث الخدمات الحكومية في مصر تمضي بخطوات ملموسة، وأن المواطن بات يلمس آثار هذا التطوير في تفاصيل حياته اليومية، وفي طريقة حصوله على الخدمات التي يحتاجها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك