بين طيات الزمان الحاضر والماضي المهاجر، هناك حكاية ترويها جدران الحارات العتيقة، حكاية أطفال كانوا يملأون الدنيا صخباً وصغار صاروا يسكنون صمتاً افتراضياً.
بالأمس القريب، كانت شقاوة الحارة هي المبتدأ والخبر، وكان التراب تحت الأقدام رقعة للحرية لا يعرف حدودها سوى غروب الشمس.
كانت" الأولى" ليست مجرد لعبة تقفز فيها الأقدام فوق مربعات الطباشير، بل كانت الخطوة الأولى نحو اختبار التوازن في الحياة، وكانت" السيجة" معركة ذكاء فطرية تُدار بحصى الأرض، تجمع القلوب قبل العقول على ناصية الود والجدعنة.
كان اللمس حقيقياً، والضحك حقيقياً، وحتى الدموع العابرة إثر سقطة على ناصية الشارع كانت دموعاً تنبض بالحياة، تداويها قبلة أم أو مواساة صديق يتقاسم معك كسرة خبز ودفء لقمة.
دارت الأيام، ودارت معها عجلة التكنولوجيا، فاستبدلنا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وتحولت الشقاوة الفطرية إلى شاشة زجاجية صامتة، وانتقلت اللمة من ضجيج الحارة إلى عزلة الغرفة المظلمة.
اليوم، يقبع طفل العصر الحديث في سجنه الرقمي الاختياري، سجين شاشات ذكية بليد، يظن أنه يملك العالم بلمسة زر، بينما هو يفقد العالم الحقيقي بأسره.
تلاشت ألعاب الجماعة وصهرت الآلات وعي الصغار في بوتقة العزلة الافتراضية، فبات التواجد الرقمي بديلاً عن التواجد الإنساني، وأصبحت مهارات التواصل تنحصر في بضعة رموز تعبيرية" إيموجيز" صماء لا روح فيها ولا نبض.
ما نعيشه اليوم بين" الاتصال" بالشبكة و" الانفصال" عن الواقع، يضعنا أمام مفارقة مريرة؛ فقد أصبح أطفالنا أكثر اتصالاً بالإنترنت وأقل تواصلًا بالبشر، لقد سرقت العوالم الافتراضية براءة الطفولة التي كانت تصنعها عثرات الشوارع وشقاوة الجري وراء طائرة ورقية تغازل السماء.
لم تكن ألعاب زمان وسيلة لقتل الوقت، بل كانت وسيلة لإحياء الروح وصياغة الشخصية المصرية الأصيلة القائمة على المشاركة والشهامة.
إننا لا نبكي على مجرد ألعاب قديمة طواها النسيان، بل نبكي على قيم وإنسانية وصحة نفسية وبدنية تتبدد خلف جدران المواقع الافتراضية، في انتظار صرخة وعي تعيد العصافير الصغار إلى أحضان الحارة الحقيقية، لتغرد من جديد وتنفض عن كاهلها غبار العزلة الرقمية المصنوعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك