تشهد القارة الأفريقية جملة من التحولات السياسية والاقتصادية البارزة، حيث أعلن رئيس اللجنة الانتخابية الوطنية في جنوب السودان، أبينيغو أكوك كاكول، في العاصمة جوبا، أن الانتخابات العامة والرئاسية ستعقد في الثاني والعشرين من ديسمبر المقبل، لافتاً في الوقت ذاته إلى التحديات المتعددة والمتراكمة التي تواجه المؤسسة الانتخابية.
ودعا رئيس اللجنة الانتخابية الوطنية أبينيغو أكوك كاكول الحكومة في جوبا إلى ضرورة سد الثغرات القانونية القائمة، والإسراع في توفير الأموال اللازمة لتمكين اللجنة من تنظيم هذا الاستحقاق خلال الأشهر المتبقية من العام الحالي، مشدداً على أن الإرادة السياسية تقع على عاتق السلطة الحكومية وليس اللجنة، وموضحاً أن الميزانية المتوفرة حالياً تبلغ واحداً وعشرين مليون دولار فقط، في حين يتطلب التنظيم الكامل مئتين وخمسين مليون دولار، فضلاً عن التحديات الأمنية المتمثلة في المواجهات المستمرة بين الجيش الموالي للرئيس الجنوب سوداني سلفا كير والمجموعات الداعمة لرياك مشار، الذي فرضت عليه الإقامة الجبرية العام الماضي.
وفي سياق متصل، حذر المحلل السياسي أندريا ماج، خلال استضافته في برنامج نبض أفريقيا عبر راديو سبوتنيك، من خطورة الإصرار على إجراء الانتخابات في ظل المعطيات الراهنة، واصفاً الخطوة بالأمر شبه المستحيل، ومؤكداً أن البلاد تقف على حافة الانفجار مما يستدعي إطلاق حوار وطني شامل وتأجيل الاستحقاق لتفادي العنف، لا سيما وأن الدولة لم تنعم بالاستقرار منذ استقلالها عام ألفين وأحد عشر جراء تنصل الأطراف من اتفاقيات السلام.
وفي غرب القارة، اتخذت السلطات في غينيا قراراً حاسماً بمنع تصدير الذهب في صورته الخام، سعياً لفرض هيمنة الدولة على ثرواتها المعدنية وضمان تكرير المعدن محلياً قبل شحنه للأسواق العالمية، حيث أكد الرئيس الغيني مامادي دومبويا، أثناء لقاء موسع مع مسؤولي قطاع التعدين، أن هذا المنع أصبح ملزماً، وأن أي تجاوز سيواجه بالإلغاء الفوري لتراخيص العمل واتفاقيات التعدين، موجهاً الإنتاج نحو مصفاة نيمبا الجاري تجهيزها في العاصمة كوناكري للاستفادة من القيمة المضافة.
وضمن البرنامج الإذاعي ذاته، أفاد خبير الجيولوجيا الاقتصادية والتعدين الدكتور يوسف السماني بأن أفريقيا تمثل محور التنافس العالمي باحتوائها على ثلاثين بالمئة من الاحتياطيات العالمية للمعادن التي تدير عصب التكنولوجيا الحديثة كصناعة السيارات الكهربائية والحواسيب، مبيناً أن القارة تستحوذ على خمسة وثمانين بالمئة من المنجنيز، وثمانين بالمئة من الكروم، بالإضافة إلى الكوبالت في الكونغو الديمقراطية، والليثيوم في زيمبابوي وناميبيا، فضلاً عن امتلاكها خمسة وتسعين بالمئة من الاحتياطي العالمي لمعادن البلاتين المستخدم في قطاعات الطيران والصناعات العسكرية.
وعلى الجانب الآخر من النزاعات السودانية، رصد مراقبون تداول أوراق نقدية من العملة المحلية جرى طباعتها حديثاً في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، مما أثار تساؤلات اقتصادية حول مصادرها، وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع توسيع القوات شبه العسكرية لسيطرتها وإدارتها لشؤون سيادية وإدارية في إقليم دارفور عبر ما يسمى بتحالف السودان التأسيسي.
وتمثل السيطرة على العملة محور صراع محتدم منذ العام الماضي عقب قرار الحكومة السودانية المدعومة من الجيش سحب فئتي الألف والخمسمئة جنيه وطرح إصدارات جديدة، وهو ما قابلته قوات الدعم السريع بحظر تداولها مسببة أزمة سيولة حادة، غير أن ظهور الأوراق النقدية الجديدة التي تحمل تاريخ طباعة يعود إلى مايو من عام ألفين واثنين وعشرين وتحمل توقيع محافظ البنك المركزي السابق حسين يحيى جنقول، الذي عُين مؤخراً على رأس بنك مركزي مواز، خفف من وطأة النقص، ورغم رفض رئيس حكومة التأسيس الكشف عن مطابع هذه العملات، متسقاً مع اتهامه للحكومة الشرعية باستخدام النقد كأداة حرب، يرى الخبراء صعوبة بالغة في نيل البنك الموازي اعترافاً دولياً، في وقت يعتمد فيه المواطنون على تطبيقات الدفع الإلكتروني عبر خطوط القتال، وسط انهيار حاد في القيمة الشرائية للجنيه السوداني الذي تجاوز حاجز الخمسة آلاف جنيه للدولار الواحد.
وترتبط هذه التطورات المتلاحقة بسياق عام يعكس حالة الاضطراب الإقليمي في حزام وسط وشرق أفريقيا، حيث تتداخل النزاعات المسلحة على السلطة والموارد مع مساعي الدول الناشئة لإعادة صياغة شروط استغلال ثرواتها الباطنية بعيداً عن الهيمنة التقليدية للشركات الأجنبية، ومحاولة توظيف السياسات النقدية والانتخابية كأدوات لفرض الأمر الواقع وتعزيز الشرعية السياسية في مواجهة الأزمات الاقتصادية الخانقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك