قدّم رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والوزير المنتدب في الحكومة، فوزي لقجع، في ظهوره في برنامج حواري تلفزيوني، روايته لمسار الكرة المغربية ضمن سياق لم يعد فيه المشروع الكروي المغربي يُقرأ من جهة النتيجة وحدها؛ فقد صار، بعد مونديال قطر وما أعقبه من صعود في التصنيف العالمي، ونتائج في الفئات السنية والمنتخبات النسوية، والاستعداد لتنظيم مونديال 2030، مادة لفهم طريقة اشتغال مؤسّسة رياضية داخل مجال وطني تتداخل فيه العاطفة الشعبية والتسيير المؤسساتي، والتمثيل الأفريقي، وصورة المغرب في الخارج.
لذلك لم تكن الحلقة، التي قادها الصحافي المغربي محمد الرماش على منصة" أثير/ الجزيرة 360"، حديثاً عابراً مع رئيس مؤسّسة رياضية، فقد جاءت في صيغة تناسب طبيعة البرنامج السردية، أي استعادة المسار من داخله، وترك التجربة تكشف ما تراكم فيها من تخطيط وقرارات ورهانات.
في رواية لقجع مسار التجربة، يتخذ النجاح صورة تراكم امتدّ سنوات، يقوم على اقتناع بأن المنتخب القادر على تثبيت حضوره في العالم يحتاج إلى بنية تحميه من تقلب الأجيال، وتمنح الموهبة طريقاً واضحاً نحو الاستمرار.
من هنا تحضر أكاديمية محمد السادس لكرة القدم لبنة أولى في تصوّر أوسع، فقد فتحت أمام التكوين المغربي أفقاً مؤسّسياً نقل الموهبة من مجال المصادفة والحي والنادي إلى مسار يجمع الانتقاء والتعليم والانضباط، ويضع اللاعب الناشئ داخل مشروع طويل يتجاوز أثر البطولة الواحدة.
ولعل هذا ما جعل تجربة الأكاديمية، والعمل على مراكز التكوين، جزءاً من مشروع واحد يحرّر المنتخب من الارتهان إلى أسماء قليلة، ويربط اللاعب، منذ بداياته، بتصوّر مغربي واضح عن القميص الوطني ومعنى التنافس.
هنا يصبح الحديث عن البنية أسبق من الواجهة، لأن المنتخب الذي بلغ نصف نهائي كأس العالم خرج من سياقٍ بدأ قبل أن تصير صور أمهات لاعبين في الدوحة عنواناً عالمياً، وقبل أن تتحوّل مباريات المغرب إلى مادة متابعة خارج حدوده.
ومن بين المحاور التي صاغها الرماش داخل الحوار، جاء سؤال أبناء المهجر اختباراً لمفهوم الانتماء في الرياضة.
فاللاعب المتكوّن في أوروبا يزن الدعوة إلى القميص بميزان المسار والمستقبل، وينظر إلى صورة المنتخب الذي سيحمله، وإلى قدرة المشروع على منحه تنافساً حقيقياً.
لذلك بدا جواب لقجع قائماً على فكرة الاقتراب من اللاعب وعائلته، وتقديم مشروع واعد، وترك القرار النهائي لمسار شخصي تحكمه أحياناً حسابات رياضية واستشرافية.
اللاعب المتكوّن في أوروبا يزن الدعوة إلى القميص بميزان المسار والمستقبل، وينظر إلى صورة المنتخب الذي سيحمله، وإلى قدرة المشروع على منحه تنافساً حقيقياًومن هنا جاء الحديث عن الأمهات في الحلقة متصلاً بفلسفة إدارة المنتخب، متجاوزاً حدود الصورة الاحتفالية.
حين قال لقجع إن" العلاج الحقيقي يبدأ بكلمة رضا من الوالدين"، كان هذا مدخلاً لفهم جانب من سيكولوجية المجموعة المغربية، حيث يصبح الاستقرار العائلي جزءاً من إعداد اللاعب، وتصبح الأم، في المخيال الاجتماعي المغربي، قوة سند تعمل خارج بيانات المباريات، وتؤثر مع هذا في علاقة اللاعب بالطموح والرغبة في التتويج، فاللاعب المحترف يذهب إلى الملعب حاملاً معه بيته الأول، ولغته الأولى، ونظرته إلى نفسه، مهما ابتعد في اقتصاد الاحتراف.
وفي محور اتهامات" الكولسة" والنفوذ داخل الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف)، وهي اتهامات ترافق لقجع والجامعة كلما تحرّك المغرب داخل أفريقيا في موقع أقوى، جاء الجواب في صيغة سؤال استنكاري: لو كان المغرب يملك ذلك النفوذ المزعوم، فكيف وقع ما وقع في نهائي كأس أفريقيا؟ ، في إشارة إلى المباراة بين المغرب والسنغال.
بدا لقجع حريصاً على نقل النقاش من الشبهة العامة إلى منطق العمل المؤسّساتي؛ فنفى أن يكون حضوره في المجال القارّي قائماً على توجيه القرارات من وراء الستار.
وذكّر، في سياق حديثه عن المنتخب، أنه يترك الاختيارات التقنية لأهلها داخل الجهاز الفني، من استدعاء اللاعبين إلى التفاصيل الداخلية للفريق.
بهذا المعنى، جاء دفاعه عن الجامعة محاولة للتمييز بين حضور مغربي مؤثر داخل المؤسّسات الأفريقية وتهمة التحكّم فيها، وهي تهمة ترافق كل تجربة تصعد وتصبح مؤثرة في محيطها.
وقد زاد جدل" النهائي" من حساسية هذا السؤال، فقرار لجنة الاستئناف في" الكاف" سجل فوز المغرب بثلاثية بعد اعتبار السنغال منسحبة من المباراة، ثم انتقل الملف إلى محكمة التحكيم الرياضي بعد استئناف الاتحاد السنغالي، وهذا المسار وحده كاف لإخراج القضية من حمّى المنصات ومواقع التشكيك المتبادل.
ما يهم هنا، في قراءة الموقف المغربي، أن الردّ اتخذ طريق النصوص والهيئات المختصة، حيث تفحص الواقعة وتحدد آثارها داخل القوانين والإجراءات.
في فضاء أفريقي كثيراً ما تحيط به الريبة في مسائل التحكيم والتنظيم، يصير اللجوء إلى القانون طريقة لحماية الحق، وطريقة لحماية الصورة في الآن نفسه.
لا يبدو طموح التتويج بكأس العالم خيالاً زائداً عن حجمه، ولا يبدو تنظيم مونديال 2030 مجرّد موعد لإعداد الملاعب والطرق والفنادقثم تنفتح الحلقة على منطقة أبعد من كرة القدم.
فعند سؤال الميزانية والمركز والهامش، لا يحضر لقجع رئيساً للجامعة فقط، لأن موقعه الحكومي يجعل النجاح الرياضي متّصلاً بسؤال المال العمومي والاختيارات التنموية.
لذلك جاء سؤال تازة والجهة الشرقية مثالاً، وسؤال المغرب الذي يتحرك بسرعتين، في محله.
ما تكشفه التجربة الكروية أن النجاح ممكن حين تتحدّد الغاية، وتعبأ الوسائل، وتوجد سلطة متابعة، وتربط النتائج بالمحاسبة.
ومن حق المواطن المغربي، أمام هذا النموذج، أن يسأل عن التعليم والصحة والطريق وفرص الشباب، وعن سبب قدرة الكرة على اختصار زمنها، فيما تمضي قطاعات أخرى في إيقاع أبطأ.
يتطلب هذا السؤال مسافة دقيقة من المنجز: تسمح بالاحتفاء بما تحقق من دون تحويله إلى ستار يحجب ما يطرحه من دلالات.
فالتصنيف السابع عالمياً، وما يمثله من صعود في نظرة العالم إلى المنتخب المغربي، يمنح التجربة قيمة تتجاوز ترتيب فيفا، لأنه يكشف أن النجاح حين يجد قيادة واضحة وبنية متابعة وموارد موجهة يستطيع أن يغير معنى الممكن في وعي الجمهور.
ومن هنا تكتسب التجربة قوتها النقدية؛ فهي تمنح المغرب معياراً يقاس عليه تدبير المشاريع حين تتوافر الإرادة والوسائل والمحاسبة.
في أفق كهذا، لا يبدو طموح التتويج بكأس العالم خيالاً زائداً عن حجمه، ولا يبدو تنظيم مونديال 2030 مجرّد موعد لإعداد الملاعب والطرق والفنادق؛ إنهما، معاً، امتحان لقدرة المغرب على تحويل ما راكمه في الكرة إلى تصوّر أوسع للإنجاز، حيث تصير السرعة التي صنعت منتخباً واعداً جزءاً من معنى مشترك للتنمية، يربط المدن الكبرى بالجهات المهمّشة، ويجعل أثر المشاريع محسوساً في المدرسة والمستشفى والعمل.
هكذا تغادر تجربة لقجع حدود الملعب، وتضع المغرب أمام أفق أكثر اتساعا: أن البلد الذي عرف كيف يرفع سقف الحلم في الملعب مدعوٌّ إلى أن يجعل هذا السقف متاحاً في الحياة اليومية، حتى يغدو النجاح الوطني مساراً عاماً، لا لحظة مضيئة في قطاع واحد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك