عاد اسم الفريق عبد الرزاق الناظوري إلى الواجهة بعد تداوله بكونه أحد الأسماء المرشحة لتولي منصب بارز في السلطة الجديدة المقترحة، بديلاً من صدام حفتر، الذي جرى تداول اسمه سابقاً لرئاسة المجلس الرئاسي، وذلك في خضمّ مشاورات جارية حول الحل في ليبيا، ولا سيما عقب المبادرة الأميركية التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا مسعد بولس للحل في ليبيا.
ووفق معلومات أدلت بها قبل أيام مصادر ليبية متطابقة، حكومية وبرلمانية، لـ" العربي الجديد"، فإن اقتراح تولي عبد الرزاق الناظوري منصباً بارزاً في السلطة، جاء من الجانبين، المصري والتركي، بديلاً لصدام الذي لقي طرح اسمه من قبل بولس رفضاً داخل معسكري شرق البلاد وغربها.
وفيما أفادت معلومات المصادر بأن طرح اسم عبد الرزاق الناظوري لا يزال في مرحلة التداول، فقد أشارت إلى أن القاهرة وأنقرة انخرطتا في وضع تقييم للمبادرة الأميركية باعتبار قربهما من معسكري البلاد شرقاً وغرباً لتقريب وجهات النظر بينهما، عبر الدفع بشخصية أقل إشكالية من صدام لشغل منصب رئيس المجلس الرئاسي، وكذلك ضرورة تشكيل حكومة موحدة، بتوازن يضمن عدم احتكارها للقرار وعودة الانقسامات.
وتستند المبادرة الأميركية للحل في ليبيا إلى خطوات وصفها بولس بالتقدمية، من بينها اتفاق لميزانية ليبية موحدة، ومشاركة عسكرية ليبية في مناورات" فلينتلوك" العسكرية التي تقودها القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم).
وكان بولس قد كشف، في مقابلة مع صحيفة" فاينانشال تايمز"، نشرت في 17 يونيو/ حزيران 2026، عن المبادرة الأميركية للحل في ليبيا التي تهدف إلى توحيد المؤسسات المنقسمة تحت سلطة واحدة، بالتوازي مع تشجيع شركات النفط الأميركية على توسيع استثماراتها في البلاد.
سيرة عبد الرزاق الناظوري العسكريةوأعاد طرح اسم عبد الرزاق الناظوري التذكير بسيرته العسكرية الممتدة منذ ثمانينيات القرن الماضي، التي اتسمت إلى حد بعيد بتشكل علاقة متدرجة مع اللواء المتقاعد خليفة حفتر، بدءاً بالحرب الليبية التشادية، ومروراً بالعديد من المحطات في عهد النظام السابق، وصولاً إلى توليه رئاسة الأركان العامة ضمن" عملية الكرامة" التي أطلقها حفتر في بنغازي شرقي ليبيا في 2014.
ولد عبد الرزاق الناظوري سنة 1955 في قرية العويلية بمنطقة الجبل الأخضر شرقي ليبيا، ونشأ في محيط قبلي بمنطقة المرج رغم انحدار أصول عائلته من مدينة مصراتة.
وبعد الدراسة النظامية، التحق بالكلية العسكرية وتخرج منها مطلع ثمانينيات القرن الماضي بالتزامن مع دخول ليبيا في الحرب مع تشاد (1978ــ1987)، فوجد نفسه كغيره من العسكريين في تلك المرحلة في خضم تلك الحرب.
وكان عبد الرزاق الناظوري من بين الضباط الذين شاركوا في تلك الحرب، ما أدى إلى تقاربه مع دوائر القيادة العسكرية التي كان خليفة حفتر يترأسها.
ولا تتوافر معلومات كثيرة عن عبد الرزاق الناظوري في الفترة التي تلت الحرب، التي فشل حفتر في قيادتها في عام 1987، وفرّ خارج البلاد ليقيم في فرجينيا الأميركية.
غير أن اسم الناظوري ورد لاحقاً ضمن مجموعة من العسكريين اتهمهم النظام السابق بأن لهم صلات بالضباط الذين نظموا عملية الانقلاب العسكري في عام 1993 وحكم عليهم بالسجن، فيما حكم على منظمي الانقلاب بالإعدام، بمن فيهم حفتر غيابياً، لكونه أحد مدبري الانقلاب.
انخراط عبد الرزاق الناظوري في صفوف الثورة في 2011ومع اندلاع الثورة على نظام معمر القذافي في عام 2011 عاد عبد الرزاق الناظوري للظهور، فكان من أوائل الضباط المنخرطين في صفوف الثورة.
وعندما شكل حفتر رئاسة القوات البرية التابعة للمجلس الوطني الانتقالي، كان الناظوري إلى جانب حفتر في تشكيلها برفقة عدد من الضباط الآخرين.
ومنذ تلك المرحلة بدا الناظوري أكثر ظهوراً في علاقته بحفتر، إذ كان إلى جانبه عندما ظهر في 14 فبراير/ شباط 2014 على شاشات الفضائيات، معلناً عن انقلاب فاشل على سلطة المؤتمر الوطني العام (البرلمان).
وعند انتقال حفتر إلى بنغازي ليعلن إطلاق" عملية الكرامة" في إبريل/ نيسان من العام ذاته، كان الناظوري إلى جانبه للمرة الثالثة، وشكل معه أول كتيبتين، كذلك قاد بعض المعارك في بنغازي.
وفي مؤشر على بروزه أكثر من غيره من الضباط داخل" عملية الكرامة"، عيّنه مجلس النواب في أغسطس/ آب 2014 رئيساً للأركان، فيما عيّن خليفة حفتر قائداً عاماً للقوات الليبية.
ومع توسع رقعة سيطرة حفتر خارج بنغازي لتضم وسط البلاد بالإضافة إلى مناطق تقع شرق بنغازي، أضاف مجلس النواب منتصف عام 2016 إلى مهمات الناظوري منصب" الحاكم العسكري العام" للمناطق والمدن الواقعة بين درنة شرقاً إلى بن جواد وسط شمالي البلاد، ما أبعده عن العمليات القتالية، لكن بصلاحيات أمنية أوسع.
فقد منحه منصبه الجديد نفوذاً في ملفات الإدارة المحلية ومتابعة التشكيلات المسلحة القبلية وضبطها للمشاركة في تشكيل مديريات أمن المناطق.
كيف نال عبد الرزاق الناظوري ثقة خليفة حفتر؟تمكن الناظوري خلال توليه منصب الحاكم العسكري من ضبط الملف الأمني وسط انشغال حفتر بالعمليات الحربيةويبدو أن تلك المهمات زادت من ثقة حفتر فيه وقربته منه أكثر، خصوصاً أنه كان يشرف على تشكيلات قبلية واسعة وفي مناطق مترامية.
وتمكن الناظوري خلال توليه منصب الحاكم العسكري من ضبط الملف الأمني وسط انشغال حفتر بالعمليات الحربية، خصوصاً في بنغازي ودرنة ومنطقة الهلال النفطي.
وعلى الرغم من أن منصبه رئيساً للأركان يخوله أن يكون الرجل الثاني، إلا أنه لم يُعرف عنه الظهور الإعلامي المنفصل عن حفتر، بل كان يظهر في الكثير من المناسبات يسير خلفه.
ويبدو أن هذا الإخلاص سلمه من إجراءات الإقصاء التي طاولت غيره من ضباط شاركوا بـ" عملية الكرامة"، ممن جاهروا بمعارضة مواقف حفتر خلال العمليات القتالية، مثل العقيد فرج الفاخري والعقيد المهدي البرغثي والعقيد محمد الحجازي.
وبالمقابل، إن عدم ظهور الناظوري في العمليات العسكرية والميدانية القتالية لم يضعه في صورة المعادي لخصوم حفتر.
فحتى خلال العدوان على العاصمة طرابلس، في إبريل 2019، الذي يُعد أكبر عمليات حفتر العسكرية، لم يكن الناظوري من بين الشخصيات العسكرية الميدانية.
ويبدو أن هذا الأمر كان العامل الآخر الذي سلّمه من قرارات حفتر الإقصائية التي استهدفت عدداً من ضباط وقادة الحرب على طرابلس بعد فشلها، بتخفيض مناصبهم، مثل اللواء عبد السلام الحاسي آمر القوات الخاصة، واللواء فوزي المنصوري آمر القوات البرية، واللواء صقر الجروشي آمر سلاح الجو، الذين أصبحوا فيما بعد قادة لكتائب مسلحة هامشية.
تلك الحصيلة من التراكم، إن كان خلال توليه منصب" الحاكم العسكري" أو عدم ظهوره في العمليات القتالية خلال الحرب على طرابلس، بالإضافة إلى علاقاته بحفتر والقبائل جعلته الشخصية العسكرية الأبرز لرئاسة الفريق العسكري الممثل لحفتر في لجنة" 5+5" مقابل الفريق العسكري الممثل لغرب البلاد، التي تشكلت بعد هزيمة حفتر وانسحاب قواته من جنوب طرابلس، ووقعت اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول 2020.
ومنذ ذلك الوقت صار الناظوري الشخصية الأبرز في معسكر حفتر، من خلال عضويته في اللجنة العسكرية المشتركة ومنصبه رئيساً للأركان، فاختارته البعثة الأممية ليكون ممثلاً لحفتر في الاجتماعات التي يسرتها بين معسكري البلاد لتوحيد المؤسسة العسكرية وتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار.
وخلال تلك الاجتماعات كان مشهد لقاءات الناظوري بنظيره رئيس الأركان في غرب البلاد الفريق محمد الحداد، مألوفاً للرأي العام، وهو زار طرابلس لمرتين، في يوليو/ تموز 2022 ومارس/ آذار 2023، واستضاف الحداد في بنغازي في إبريل 2023.
وما يظهر ثقة حفتر بالناظوري، أنه عندما ترشح للانتخابات الرئاسية في عام 2021، عيّن الناظوري مكانه قائداً عاماً للجيش مؤقتاً، إذ إن من شروط الترشح للرئاسة، التنازل عن المناصب العسكرية.
وفي المقابل، حافظ الناظوري على علاقاته الهادئة داخل معسكر حفتر، فقد عرفت عنه علاقاته الجيدة مع نجلي خليفة حفتر اللذين برزا داخل هيكل مؤسسته العسكرية قائدين لأبرز الكتائب المسلحة، صدام قائد اللواء طارق بن زياد، وخالد قائد اللواء 106.
وعند بدء ظهور الخلافات بين أولاد حفتر العام الماضي، قرر خليفة حفتر في أغسطس/ آب 2025 ترقية أبرزهم إلى منصبين جديدين، صدام نائباً له وخالد رئيساً للأركان، فيما أُقيمت للناظوري مراسم رسمية لتسليم منصبه رئيساً للأركان، الذي شغله لعشر سنوات، لخالد، وتسلم الناظوري منصبه الجديد رئيساً لمستشارية الأمن القومي.
محاولة اغتيال عبد الرزاق الناظوريوتعرض الناظوري لمحاولة اغتيال في 18 إبريل 2018 بتفجير سيارة في مدخل بنغازي الشرقي عند مرور موكبه، لكنه نجا، فيما قتل شخص وأصيب ثلاثة من مرافقيه.
واتهم الناظوري الجماعات الإرهابية بتدبير محاولة الاغتيال لثني قوات حفتر" عن مكافحة الإرهاب في مدينة درنة"، التي كان حفتر يخوض وقتها عملية عسكرية للسيطرة عليها، بحسب تصريح مصور للناظوري نشره مكتبه الإعلامي بعد ساعات من نجاته.
وأوضح الناظوري وقتها أن محاولة اغتياله تهدف لإظهار أن قيادة قوات حفتر" مفككة"، وأن هناك" خلافات" بين قادتها، نافياً وجود مثل هذه الخلافات (حول من يخلف حفتر على رأس قواته)، قائلاً إن" ذلك عكس الحقيقة".
وتزامن الحادث مع وجود حفتر في رحلة علاجية بالخارج وقتها وانتشار ترجيحات يومها بوفاته بسبب سوء حالته الصحية.
لم يعرف للناظوري إصدار مواقف لافتة باستثناء التأكيد دوماً على أن الجيش هدفه محاربة الإرهابوبالنسبة إلى مواقفه، لم يعرف للناظوري إصدار مواقف يمكن إبرازها، باستثناء التأكيد دوماً أن الجيش هدفه محاربة الإرهاب.
ولعل أبرز كلام له يمكن أن يشكل مواقف، تصريحاته، في 25 مايو 2016، التي وصف فيها حكومة الوفاق الوطني بأنها حكومة وصاية دولية، وأن الجيش لن يقبل بها.
وجاء تصريحه وقتها في سياق دعم قرار مجلس النواب بعدم منحه الثقة للحكومة التي شكلها فايز السراج وقتها، وكانت الثالثة التي يقدمها السراج لمجلس النواب، والتي امتنع عن منحها الثقة، وبالتوازي شكل مجلس النواب وقتها حكومة موازية في الشرق.
هناك بعض القرارات التي اتخذها وأثارت بعض الجدل عندما كان حاكماً عسكرياً، حيث منع النساء من السفر إلى الخارج دون محرم.
وجاء القرار وقتها مع بدء استقطاب حفتر الجماعات المدخلية السلفية لصفوفه.
وأصدر قراراً آخر بصفته الحاكم العسكري بمنع الفئة العمرية بين 18 و50 سنة من السفر إلى الخارج دون موافقة أمنية بحجة الخوف عليهم من تجنيدهم من قبل الجماعات الإرهابية في الخارج.
وأخيراً شدد الناظوري، خلال استقباله نائبة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية والمنسقة المقيمة في ليبيا أولريكا ريتشاردسون، في بنغازي في 17 يونيو/ حزيران 2026، رفض ليبيا لأي محاولات لتوطين المهاجرين أو اللاجئين داخل ليبيا، مؤكداً ضرورة التزام المنظمات الدولية وموظفيها بالقوانين الليبية واحترام خصوصية المجتمع الليبي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك