ثمَّة جهود، على قِلتها، في حقول العلوم السياسية والاجتماعية والإيثولوجية (علم سلوك الحيوان) حاولت أن تدرس ما تُعلمنا إياه الحيوانات في فهم السياسة وممارستها، وأوجه التشابه بين بعض السلوك الحيواني والسلوك الإنساني في هذا الإطار.
معروفٌ أن الفيلسوف اليوناني أرسطو كان وصف الإنسان بأنه" حيوان سياسي"، رابطاً ذلك بقدراتنا العقلية التي تميّزنا عن الحيوانات.
وفي هذا السياق، يُفَرِّقُ أرسطو بين أننا حيوانات اجتماعية، وهو ما نتشابه فيه مع سائر الحيوانات، وأننا حيوانات اجتماعية سياسية على أساس عقلانيتنا البشرية وقدرتنا على التمييز بين الصواب والخطأ، والعدل والظلم.
ما سبق يدخل في سياق التفسير المعياري، وهو يختلف عن التفسير البيولوجي لاجتماعية الحيوانات المدفوعة بغريزة التعاون والتكاثر والبحث عن الحماية والبقاء.
إلا أن دراسات لاحقة، مثل" التطوّر الخَلّاق" (1907)، للفيلسوف الفرنسي هنري برغسون، و" ما تعلمنا إياه الحيوانات عن السياسة" (2014) للكندي برايان مسومي، دفعت باتجاه إدخال التفسير البيولوجي كذلك في فهم الممارسة والسلوك السياسي الإنساني.
من هذا، مثلاً، " العدوانية" و" التسلسل الهرمي للهيمنة"، حيث تتخذ الحيوانات الأقوى أو الأكثر عدوانية جميع القرارات، وتمارس سلطتها من خلال التهديد القسري، وهما أمران نجدهما في الفضاء الاجتماعي والسياسي الإنساني.
على أي حال، لا يهدف هذا المقال إلى مراجعة هذه الأدبيات في حقل العلوم السياسية، بقدر ما يحاول التنبيه إلى ضرورة اعتبار التفسير البيولوجي الحيواني في مقاربة كثير من الأحداث السياسية المعاصرة.
من ذلك هرمية النظام الدولي القائم، والذي يمنح خمس دول فقط (أميركا، روسيا، الصين، بريطانيا وفرنسا) حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن.
كذلك نظام القطبية، عالمياً، ثنائياً كان، كما كان إبان الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي (1947- 1991)، أم أحادياً لواشنطن، منذ 1991 وحتى 2001، كما يرى خبراء.
ووصولاً إلى بداية تشكل نظام متعدّد الأقطاب مع صعود روسيا والصين دولياً، وقوى إقليمية، مثل البرازيل وتركيا وإيران، مع بقاء تفوق أميركي ومطاردة صينية حثيثة.
ينسحب الأمر على الطبيعة العدوانية في عالم الحيوان، هنا يمارس الأقوى القوة الغاشمة للهيمنة والإخضاع والاستئثار بمساحات الصيد والقتل.
ولا يمكن هنا فصل العدوان الأميركي– الإسرائيلي أخيراً على إيران عن هذا المنطق الحيواني الغرائزي الذي لا يمكن تقديم تفسير معياريٍّ أخلاقيٍّ إنسانيٍّ عقلانيٍّ له.
وقس على هذا عشرات الحوادث والحروب والنهب المنظم للثروات والتعدي على السيادة الوطنية للدول الضعيفة.
لا يقتصر التفسير البيولوجي الحيواني على معاني التفوق والقوة الغاشمة والعدوانية والتسلسل الهرمي والأنانية، بل ثمَّة سياقات أخرى قد يجد القوي نفسه مضطرّاً فيها أن يوازن بين الفرص والمخاطر في مواجهة خصم أو خصوم أضعف.
مثلاً، معروف أن الأسد أقوى من الزرافة، وأنَّ الأخيرة على قائمة طعام الأسود.
إلا أن الأسد أو زمرة من الأسود تختار، في أحيان كثيرة، تجنب مواجهة حيوان كبير كالزرافة لإمكانية إلحاقها الأذى بها أو ببعضها، بحيث إنَّ أي إصابة تلحق بأحد الأسود قد تعني عجزه عن الصيد، ومن ثمَّ الموت.
وينطبق الأمر نفسه على الجاموس الأفريقي بقرونه القاتلة.
نجد هذه الحسابات المعقدة والدقيقة في حقل العلاقات الدولية كذلك، بل حتى في خبرة الإنسان العادي حياتياً، بعيداً عن السياسة.
جنوح إدارة دونالد ترامب إلى الديبلوماسية مع طهران، بعد حرب عدوانية مدمّرة، مَنَّتَ نفسها فيها بإسقاط النظام الإيراني، أو على الأقل فرض الاستسلام عليه في ملفات برنامجيه النووي والصواريخ الباليستية وتفكيك محور حلفائه، يمكن أن تُكَيَّفَ في هذا الإطار.
يعيننا إدراك التفسير البيولوجي الحيواني إلى حدٍّ كبير على فهم ديناميكيات العلاقات الدوليةمع تكبد الولايات المتحدة خسائر اقتصادية وعسكرية واستراتيجية كبيرة في حرب إيران، وخشية ترامب من تكبد خسارة سياسية وانتخابية في الانتخابات النصفية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، وجدنا حسابات أميركية جديدة أكثر واقعية للفرص والمخاطر، وهو ما أثار حفيظة تل أبيب وتسبب بخلافات علنية نادرة مع واشنطن.
وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة غير قادرة على حسم الحرب مع إيران عسكرياً، لكن هذا يتطلب حشد قدرات عسكرية هائلة، وتوظيف كل عناصر القوة الأميركية، ما يعني استنزافها، وتشتيتها، واستفادة خصومها من ذلك، وتحديداً الصين وروسيا.
مؤكّدٌ أن واشنطن لا تريد هذا، ولا ترامب يريد أن يضع العامين المتبقيين من رئاسته في يد خصومه الديمقراطيين.
إيران أيضاً، مضت في مسار الخيار الدبلوماسي مضطرة لا راغبة، إذ أنهكها الحصار الاقتصادي المفروض عليها منذ عقود، كما أن الضربات العسكرية التي تلقتها كانت هائلة.
صحيح أنها أبانت عن قدرة أكبر من الولايات المتحدة على تحمّل الألم، ووظفت بنجاح ورقة مضيق هرمز خانقة الاقتصاد العالمي برمته، وهذا ما دفع واشنطن للتراجع، لكن إصرار طهران على المضيَّ في خيار المواجهة سيضع الأميركيين أمام خيار واحد: الحسم عسكرياً وبأيِّ ثمن وهذا ما لا يريده الإيرانيون.
باختصار، يعيننا إدراك التفسير البيولوجي الحيواني إلى حدٍّ كبير على فهم ديناميكيات العلاقات الدولية، وربما يحد من بعض التفسيرات التآمرية التبسيطية والساذجة التي يلجأ إليها بعضهم، مثل أن كل ما يجري مجرّد مسرحية أميركية– إسرائيلية– إيرانية، لتعزيز موقع إيران، وإضعاف العرب أكثر وإخضاعهم لها.
وبهذا التفسير البيولوجي الحيواني، يعني هذا أن البقاء للأقوى، أي اندثارنا نحن بفعل عجزنا الذاتي وهرطقات التآمريين بيننا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك