بإمكان الولايات المتحدة إطلاق قاذفات الشبح عبر القارات، وتتبع الصواريخ من الفضاء، ونشر القوات في أي مكان على كوكب الأرض.
لكن مع اقتراب الولايات المتحدة من الذكرى السنوية الـ250 لاستقلالهافي الرابع من يوليو/تموز المقبل، تشير دراسات أميركية إلى أن هناك سؤالاً أكثر جوهرية يتطلب اهتماماً في واشنطن: هل يمكن للجيش الأميركي أن يزود تلك القوات بالوقود والدعم والتواصل بشكل موثوق في حالة الأزمات؟ يسلط هذا التساؤل الضوء على نقاط ضعف في ركائز أساسية لقوة الولايات المتحدة في وقت اشتداد المنافسة الاستراتيجية مع الصين في العقود الأخيرة، إلى جانب الحديث عن احتمالات خوض حرب ضد الصين.
خلص تقرير صادر عن مكتب محاسبة الحكومة (GAO) هذا الشهر، إلى أن أسطول التزود بالوقود الجوي التابع للقوات الجوية الأميركية كان أقل باستمرار من أهداف التوافر والقدرة على أداء المهام بين عامي 2019 و2025.
وجاء في التقرير: ظلت نسبة طائرات التزود بالوقود جواً المتاحة، والقادرة على أداء المهام أقل باستمرار من المعايير التي وضعتها القوات الجوية الأميركية للأسطول.
أيضاً أشار التقرير إلى تقادم الطائرات، ونقص قطع الغيار، وتحديات الصيانة، ونقص الخبرة الفنية، والتأخير في نشر ناقلات الوقود المتقدمة بوصفها عوامل رئيسية تؤثر على الجاهزية، مع تسليط الضوء أيضاً على الأعطال المتكررة في المعدات.
احتمالات خوض حرب ضد الصينتُعدّ هذه النتائج، وفق قراءة صينية، بالغة الأهمية لأن ناقلات الوقود هذه تُشكّل جسراً عبر المحيط.
في حال نشوب نزاع محتمل في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، لن تتمكن الطائرات المقاتلة والقاذفات الأميركية من قطع المسافات الشاسعة اللازمة للوصول إلى مسرح العمليات والعودة إلى قواعدها دون التزود بالوقود جواً بشكل متكرر.
وإذا ما تعطل جسر ناقلات الوقود، فإن القوة الجوية الأميركية ستُصبح عاجزة تماماً، أمام صلابة الترسانة العسكرية الصينية وثباتها.
ليو وانغ: الصين ملتزمة بسياسة ثابتة في مسألة تايوان، لا علاقة لها بما يطرأ من تغيرات على الساحة الدوليةفي قراءته للتقديرات الأميركية، قال ليو وانغ، الباحث في العلاقات الصينية الأميركية في حديثٍ لـ" العربي الجديد"، إنه بغض النظر عن تغير موازين القوى في ظل التقلبات الجيوسياسية الراهنة، فإن الصين ملتزمة بسياسة ثابتة في مسألة تايوان، لا علاقة لها بما يطرأ من تغيرات على الساحة الدولية، وكذلك بموقف الولايات المتحدة من دعم تايبيه أو عدمه.
لو كان الأمر غير ذلك، لأقدم جيش التحرير الشعبي الصيني على هذه الخطوة (استعادة تايوان بالقوة) في هذه الأيام العصيبة التي تمر بها واشنطن، بسبب تورطها في الحرب على إيران واستنزاف قدراتها العسكرية في منطقة الشرق الأوسط.
وتابع ليو وانغ: كل ذلك، إضافة إلى جانب السياسة الانتهازية التي انتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع حلفائه التقليديين في المنطقة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، والانتقادات اللاذعة التي وجهها لقادة الحزب التقدمي الديمقراطي في الجزيرة، وتحذيرهم من استفزاز بكين، وعدم تقديم ضمانات صريحة بشأن مساعدة واشنطن لتايبيه في حال تعرضت لهجوم مباغت.
وأضاف أن التزام الولايات المتحدة باستمرار سياسة" صين واحدة" وتأكيدها مراراً عدم نيتها دعم استقلال تايوان، يبقي مسار مسألة تايوان بعيداً عن تجاوز الخطوط الحمراء التي حددتها بكين.
وأشار ليو وانغ إلى أن ما قد يدفع الأخيرة لتنفيذ تهديداتها العسكرية هو إعلان الاستقلال، وخرق سياسة صين واحدة، التي شكلت أساس العلاقات الدبلوماسية بين الصين والولايات المتحدة.
ليو مينغ: الردع السياسي والنووي بين الصين والولايات المتحدة، وتكاملهما الاقتصادي العميق، والتكاليف الباهظة للحرب، تجعل احتمالية نشوب مثل هذه الحرب ضئيلةفي المقابل، استبعد ليو مينغ، أستاذ العلاقات الدولية في معهد وان تشاي للأبحاث والدراسات في هونغ كونغ، في حديث مع" العربي الجديد"، اندلاع حرب ضد الصين وبالتالي مواجهة عسكرية مباشرة بين قوتين نوويتين، حتى لو كان الأمر يتعلق بمستقبل جزيرة تايوان.
وقال: من الناحية العسكرية، تمتلك الولايات المتحدة القدرة الكاملة على شن حرب ضد الصين.
ولكن في الواقع، فإن الردع السياسي والنووي بين الصين والولايات المتحدة، وتكاملهما الاقتصادي العميق، والتكاليف الباهظة للحرب، تجعل احتمالية نشوب مثل هذه الحرب ضئيلة إن لم تكن معدومة.
وأضاف ليو مينغ، تمتلك كل من الصين والولايات المتحدة ترسانات نووية هائلة وقوات عسكرية عالية الكفاءة.
كما يُظهر تاريخ التنافس بين القوى العظمى منذ الحرب الباردة (1947 ـ 1991) أن الدول المسلحة نووياً لديها دوافع استراتيجية قوية لتجنب الصدام المباشر، وذلك لمنع عواقب كارثية قد تؤدي إلى تدمير الجانبين أو حتى العالم بأسره.
كما أن هناك أبعاداً اقتصادية لا يستهان بها، إذ يرتبط البلدان ارتباطاً وثيقاً في سلاسل التوريد العالمية، وأسواق التجارة، والأنظمة المالية.
وبالتالي من شأن الحرب أن تُسبب صدمات اقتصادية عالمية كارثية، لذلك يُشكل هذا الترابط حاجزاً قوياً للمصالح.
وعلى الرغم من الاحتكاكات المستمرة، لا يزال البلدان ملتزمين بإدارة الأزمات من خلال القنوات الدبلوماسية وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة.
وتابع: مع ذلك تبقى قضايا مثل مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي نقاط احتكاك محتملة، ولكن بسبب التكلفة الباهظة لحرب شاملة، يتوخى كلا الجانبين حذراً شديداً من الانخراط في مثل هذه الصراعات، ببساطة لأنه لو اندلعت حرب بين قوتين عظيمتين، ولا سيما نوويتين، فلن يكون هناك منتصر، بغض النظر عمن يبدأ الحرب، بل قد تؤدي إلى فناء العالم.
يشار إلى أنه في عام 2021، صرح فيليب ديفيدسون، قائد القوات الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ آنذاك، أمام مجلس الشيوخ الأميركي، بأن الصين قد تشن هجوماً على تايوان في عام 2027.
ومقابل احتمالات شن حرب ضد الصين كان هناك أيضاً نقاش محتدمٌ في أوساط السياسة الأميركية تجاه الصين حول احتمالية شن بكين هجوماً على تايبيه.
ويعود ذلك جزئياً إلى التصاعد الملحوظ في المضايقات العسكرية الصينية لتايوان خلال السنوات الماضية، وقد تركز النقاش حينها على كيفية مقارنة القدرات العسكرية للصين وتايوان، والظروف التي قد تدفع الصين إلى إعلان الحرب على تايوان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك